الوراثة والعاطفة… كيمياء الحب والخوف والحنين

من سلسلة “خواطر وراثية” (الجينات والوعي الإنساني)، الحلقة رقم (38)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 27 يونيو 2026

حين تتكلم الجينات بلغة المشاعر
نحبّ، ونخاف، ونحزن، ونشتاق… مشاعر تبدو إنسانية خالصة، لكن وراءها نظام بيولوجي بالغ الدقة. في كل لحظة عاطفة، تتحرك جينات معينة داخل خلايانا، تُصدر أوامرها لإفراز هرمونات ونواقل عصبية، فتتولد الأحاسيس التي نسميها الحب أو الخوف أو الحنين. إنها كيمياء وراثية للمشاعر، تشترك فيها الجينات والدماغ والجسد في سيمفونية دقيقة تصنع وجداننا
الإنساني.

جينات الحب… كيف يولد الارتباط؟
يبدأ الحب من العين، لكنه يعيش في الجينات. فالدراسات الحديثة أثبتت أن مشاعر الارتباط والرغبة في البقاء قرب من نحب ترتبط بجينات معينة تنظّم عمل هرموني الأوكسيتوسين (Oxytocin) والفازوبريسين (Vasopressin)، وهما الهرمونان اللذان يُعرفان في الأدبيات العلمية باسم “هرموني الترابط الاجتماعي”.

الباحثون في جامعة إيموري الأميركية درسوا فئرانًا تُعرف باسم Prairie voles، وهي من القلائل التي تعيش في أزواج مدى الحياة. وجدوا أن الجين AVPR1A المسؤول عن مستقبلات الفازوبريسين في الدماغ أكثر نشاطًا في هذه الفئران المخلصة، بينما الفئران الأخرى التي لا ترتبط بعلاقة طويلة تملك نسخة مختلفة من الجين ذاته. النتيجة: الجينات قد تحدد – جزئيًا – قدرتنا على الحبّ والوفاء!

وفي الإنسان، تم ربط اختلافات طفيفة في هذا الجين بأنماط التعلق العاطفي، فمن الناس من يميل إلى الارتباط العميق، ومنهم من يخشى القرب أو الانفصال… وكل ذلك يَظهر أثره من عمق الشيفرة الوراثية.

جينات الخوف… ذاكرة البقاء
الخوف ليس ضعفًا، بل نظام إنذار تطوّري أنقذ أسلافنا من المفترسين. يعمل عبر شبكة عصبية في الدماغ تسيطر عليها اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي بدورها تتأثر بجينات تنظّم إفراز الأدرينالين والكورتيزول. من أبرز هذه الجينات (SLC6A4) المرتبط بنقل السيروتونين و(COMT ) الذي يتحكم في تكسير الدوبامين)، وكلاهما يؤثر في الاستجابة للمواقف المهددة. فالذين يملكون نسخًا معينة من هذه الجينات قد يستجيبون بشدة أكبر للمخاوف، بينما آخرون أكثر هدوءًا وثباتًا في الظروف نفسها.

الأغرب أن الخوف نفسه قد يُورَّث! .
تجارب أجريت في جامعة كولومبيا على الفئران أظهرت أن الجيل الذي تعرّض لرائحة مقترنة بخطر (كالصدمات الكهربائية) أصبح يخاف من الرائحة نفسها بعد أجيال، رغم أنه لم يُعَرَّض لها سابقًا. وهذا يعني أن التجارب الانفعالية تترك بصمات جينية تُورَّث عبر ما يُعرف بـ«الوراثة فوق الجينية” (Epigenetics).

جينات الحنين… ذاكرة من القلب إلى الجينوم
حين نستمع إلى أغنية قديمة فنشعر بموجة حنين، أو نشمّ رائحة تذكّرنا ببيت الطفولة، فذلك ليس مجرد استدعاء نفسي، بل استجابة بيولوجية حقيقية. الدماغ يُفعّل مراكز الذاكرة والعاطفة معًا، ويُفرز مزيجًا من الدوبامين والسيروتونين يجعلنا نعيش لحظة من الزمن الوراثي.

تشير أبحاث حديثة إلى أن الجينات المرتبطة بالذاكرة (مثل BDNF) تعمل بتنسيق مع الجينات العاطفية أثناء استرجاع الذكريات. كأن «الحنين» هو تجربة كيميائية عصبية تهدف إلى الحفاظ على التوازن النفسي عبر ربط الماضي بالحاضر. والمثير أن هذا الشعور يظهر حتى في الحيوانات الاجتماعية مثل الأفيال والدلافين التي تُظهر سلوك الحزن والحنين عند فقد أحد أفرادها.

الوراثة العاطفية بين الجسد والروح
كل عاطفة تُسجَّل في الجسد قبل أن تصل إلى الوعي. حين نخاف، تنقبض الأوعية وتشتد العضلات. حين نحب، يزداد إفراز الأوكسيتوسين، ويهدأ القلب، وتنخفض مؤشرات التوتر. هذه التفاعلات ليست فقط استجابات عصبية، بل رموز وراثية في عمل مستمر.

بل إن الأبحاث الحديثة في علم الجينوم العاطفي،(Affective Genomics) تسعى لفهم كيف تُعدّل العواطف نفسها نشاط الجينات! فالمشاعر الإيجابية (كالامتنان والرحمة) تقلل من نشاط الجينات المرتبطة بالالتهاب، بينما المشاعر السلبية (كالغضب والعزلة) تنشّطها، مما يفسر العلاقة بين الحالة النفسية والمناعة.

من الجين إلى الوجدان
تعلّمنا الوراثة اليوم أن المشاعر ليست طارئة على الإنسان، بل جوهر في تكوينه. الجينات هي الحروف التي تكتب نصّ الحياة، لكن الوجدان هو لحن تلك الكلمات حين تعزفها الخلايا على أوتار القلب. فالحب والخوف والحنين ليست مجرد “كيمياء”، بل تعبير راقٍ عن التكامل بين المادي والروحي في الكائن الإنساني.
كل عاطفة هي حوار بين الخلية والروح، بين الجين والذكريات، بين المادة والمعنى. وربما هنا تكمن عبقرية الإنسان: أنه يعيش مشاعره ويفهمها في الوقت نفسه.

المراجع العلمية
1. Cole, S. W. (2019). The Conserved Transcriptional Response to Adversity. Annual Review of Psychology, 70, 349–375.
2. Dias, B. G., & Ressler, K. J. (2014). Parental olfactory experience influences behavior and neural structure in subsequent generations. Nature Neuroscience, 17(1), 89–96.
3. Feldman, R. (2017). The neurobiology of human attachments. Trends in Cognitive Sciences, 21(2), 80–99.
4. Walum, H., & Young, L. J. (2018). The neural mechanisms and circuitry of the pair bond. Nature Reviews Neuroscience, 19(11), 643–654.
5. Zik, J. B., & Roberts, S. C. (2012). Genetic variation in the oxytocin receptor gene (OXTR) and human social behavior. Progress in Brain Research, 198, 187–199.

(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حكاية الحبة التي صارت خبزًا

تأمل تاريخي، إنساني في رحلة القمح منذ كان عشبًا بريًا حتى أصبح “روح الحضارة” خواطر …

اترك تعليقاً