جينات التعليم… لماذا نتعلم بطريقة مختلفة؟

من سلسلة “خواطر وراثية” (الجينات والوعي الإنساني)، الحلقة رقم (39)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 28 يونيو 2026م

حين يتعلّم الجين قبل التلميذ
قد يبدو التعلم مهارة مكتسبة بالكامل، تُبنى بالجهد والممارسة، لكن وراء هذه العملية الذهنية المعقّدة يقف نظام وراثي مذهل يحدد كيف نتعلّم، لا مجرد ما نتعلّم. فلكل إنسان بصمة جينية عصبية تجعل طريقته في اكتساب المعرفة فريدة كصوته وبصمته. الاختلاف في سرعة الفهم، أو التذكّر، أو التفاعل مع المعلومات، ليس صدفة، بل انعكاس للتنوع الجيني في الدماغ.

الوراثة العصبية للتعلّم
يبدأ التعلم حين يتكوّن في الدماغ ما يُعرف بـ المشابك العصبية (Synapses) — وهي نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية. كل معلومة جديدة تُحدث تغيرات دقيقة في قوة هذه الوصلات، في عملية تسمى اللدونة العصبية (Neuroplasticity). هذه اللدونة تتحكم فيها جينات مثل:
• BDNF (Brain-Derived Neurotrophic Factor) الذي يساعد على نموّ وتثبيت المشابك العصبية.
• CREB1 الذي ينظّم التعبير الجيني في الخلايا أثناء تكوين الذاكرة طويلة المدى.
• COMT الذي يؤثر على الدوبامين في الفصّ الجبهي، وهو ضروري للتركيز واتخاذ القرار.
الاختلافات البسيطة في هذه الجينات تفسر لماذا يتعلم بعض الأشخاص بالصور، وآخرون بالكلمات، ولماذا يبدع البعض في الرياضيات بينما يتفوق غيرهم في الموسيقى أو اللغات

الذكاء ليس واحدًا
لوقت طويل، ظنّ العلماء أن الذكاء “رقم واحد” يقاس بمؤشر IQ. لكن الأبحاث الجينية الحديثة كشفت أن الذكاء منظومة متعددة الجينات — يشارك فيها أكثر من 5000 جين تعمل معًا لتكوين ما نسمّيه “القدرة العقلية”. بعض هذه الجينات يؤثر على نمو القشرة الدماغية، وبعضها على سرعة الإشارات العصبية، وبعضها على تنظيم النوم والمزاج، وهي كلها عوامل تتحكم في كفاءة التعلم. بل إن التوأم المتطابق — رغم تطابق جيناته — قد يظهر فروقًا تعليمية بسيطة نتيجة العوامل فوق الجينية (Epigenetic)، أي التعديلات التي تنشأ من البيئة والتجارب دون تغيير تسلسل الجين ذاته.

التعليم كعملية وراثية مستمرة
حين نتعلم مهارة جديدة — مثل العزف أو قيادة السيارة — تبدأ جينات معينة في النشاط، وتنتج بروتينات تغيّر شكل المشابك العصبية. ومع التكرار، تُثبّت هذه التغييرات، فيتحوّل التعلم من جهد واعٍ إلى عادة عصبية. العجيب أن هذه العملية لا تتوقف عند الطفولة. فالدماغ يظل قادرًا على التعلم مدى الحياة بفضل جينات التجديد العصبي، التي تُمكّنه من تكوين خلايا جديدة واستعادة الوظائف المفقودة. ولهذا يقول العلماء: “من يتعلم يطيل عمر دماغه.”

لماذا نختلف في طرق التعلم؟
في الصف الواحد، يختلف التلاميذ في سرعة الفهم والانتباه. هذه الفروق ليست ناتجة فقط عن الذكاء، بل عن أنماط جينية مختلفة في دوائر الإدراك. فعلى سبيل المثال:
• من يملك نشاطًا أعلى في جين DRD4 يميل إلى حبّ الاستكشاف والتعلّم التجريبي.
• بينما من لديه نسخة مختلفة من SLC6A3 قد يكون أكثر انضباطًا ويفضّل التعليم المنظم والخطّي.
• أما من ينشط لديهم BDNF بدرجة عالية، فيتفوّقون في الذاكرة البصرية والربط الإبداعي.
إنها بصمة التعليم الجيني، التي تجعلنا نحتاج إلى نظم تربوية مرنة تراعي هذا التنوع، بدلاً من نموذج واحد يفرض طريقة واحدة على الجميع.

الوراثة والعاطفة في التعلم
المشاعر ليست خارج المعادلة؛ فالخوف، والفضول، والحماس، كلها تؤثر مباشرة في نشاط الجينات المسؤولة عن التعلم. أظهرت دراسات أن التحفيز الإيجابي يزيد من إفراز الدوبامين، مما يفعّل جينات CREB وEGR1 المرتبطة بتقوية الذاكرة. بينما الضغط النفسي المستمر يثبّط جينات النمو العصبي ويقلّل من قدرة الدماغ على التركيز.
ولهذا، فالتعليم الحقيقي ليس في الحفظ، بل في خلق بيئة نفسية محفّزة تُخاطب جينات السعادة قبل جينات الحفظ.

من الجين إلى المدرسة
لقد أصبح من الممكن اليوم دراسة “الملف الجيني للتعلم” لدى الأطفال لتحديد نقاط القوة والضعف التعليمية منذ الصغر، لكن العلماء يحذرون من إساءة استخدام هذه المعلومات في تصنيف البشر. فالوراثة تمنح الإمكانات، لكن البيئة والعزيمة تصنع النتائج.
إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه هو كيف نتعلم، لأن إدراكنا لذواتنا الجينية هو أول خطوة نحو تطوير إمكاناتنا.

ختامًا
حين نفهم أن التعلم عملية وراثية–عصبية–عاطفية معقدة، ندرك أن كل عقل هو تجربة فريدة كتبها الجينوم بلغة الحياة. لا أحد يتعلم مثل الآخر، لأن كل منا نسخة مختلفة من كتاب التطور. ولعل أعظم الدروس أن نفهم جيناتنا لا لنُقيدها، بل لنُطلق طاقتها.

المراجع العلمية
1. Bouchard, T. J. (2013). The genetics of human intelligence. Cambridge Handbook of Intelligence, 193–214.
2. Kandel, E. R. (2001). The molecular biology of memory storage: a dialogue between genes and synapses. Science, 294(5544), 1030–1038.
3. Papassotiropoulos, A., & de Quervain, D. J. (2011). Genetics of human episodic memory: dealing with complexity. Trends in Cognitive Sciences, 15(9), 381–387.
4. Plomin, R., & Deary, I. J. (2015). Genetics and intelligence differences: five special findings. Molecular Psychiatry, 20(1), 98–108.
5. Sweatt, J. D. (2016). Neural plasticity and behavior—sixty years of conceptual advances. Journal of Neurochemistry, 139(S2), 179–199.
***

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

هل نصنع إنسانًا حسب الطلب؟

بين العلاج والتحسين وحدود التدخل في الخلق من سلسلة “خواطر وراثية” الجينات والوعي الإنساني، الحلقة …

اترك تعليقاً