المحيطات رئة الكوكب وأكبر مستودع طبيعي نشط للكربون

دور المحيطات في تنظيم المناخ، وامتصاص الكربون، ومواجهة التلوث البلاستيكي وتدهور النظم البيئية البحرية

شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 2 أكتوبر 2026

الملخص
تمثل المحيطات أحد أهم مكونات النظام المناخي للأرض، ليس فقط بسبب اتساعها الذي يغطي أكثر من 70% من سطح الكوكب، وإنما أيضاً بسبب دورها الحيوي في إنتاج الأكسجين، وامتصاص الحرارة، وسحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وتخزين الكربون في المياه العميقة والرواسب والنظم البيئية الساحلية. ويُظهر الأدب العلمي أن المحيط يمتص نحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون البشرية سنوياً، كما استوعب أكثر من 90% من فائض الحرارة المتراكم في النظام المناخي منذ منتصف القرن العشرين. ويبلغ مخزون الكربون في المحيط نحو 37,300 مليار طن من الكربون (GtC)، أي أكثر من 60 ضعف الكربون الموجود في الغلاف الجوي وفق التقييمات الحديثة للأمم المتحدة (United Nations, 2026).

غير أن هذه الوظائف المناخية تواجه ضغوطاً متزايدة: ارتفاع درجة حرارة المحيطات، وتحمض مياه البحر، وفقدان الأكسجين، والتلوث البلاستيكي، والصيد الجائر، وتدهور الشعاب المرجانية والمانغروف والأعشاب البحرية. وتشير بيانات حديثة إلى أن محتوى حرارة المحيط بلغ مستوى قياسياً في 2025، بينما شهد نحو 84.4% من مساحة الشعاب المرجانية العالمية إجهاداً حرارياً بمستوى يسبب ابيضاض الشعاب بين يناير 2023 وسبتمبر 2025.

وتزداد خطورة التلوث البلاستيكي؛ إذ يقدّر التقييم الثالث للمحيطات العالمي انبعاثات النفايات البلاستيكية إلى البيئة البحرية بنحو 52.1 مليون طن سنوياً، في حين تشير تقديرات أخرى للأمم المتحدة إلى أكثر من 11 مليون طن سنوياً من البلاستيك الذي يدخل المحيطات. وتعود الفروق إلى اختلاف المنهجيات وتعريفات نطاق التدفقات المقاسة.

الكلمات المفتاحية: المحيطات؛ تغير المناخ؛ الكربون الأزرق؛ امتصاص CO₂؛ تحمض المحيطات؛ النفايات البلاستيكية؛ الشعاب المرجانية؛ التنوع البيولوجي البحري؛ الاحترار البحري؛ المرونة المناخية.

مقدمة
لم تعد المحيطات تُفهم باعتبارها مجرد مساحات مائية تفصل القارات، بل أصبحت في العلوم المناخية المعاصرة جزءاً مركزياً من نظام دعم الحياة على الأرض. فهي تدخل في دورات الكربون والنيتروجين والمغذيات، وتخزن كميات هائلة من الحرارة والكربون، وتوفر الموائل لمستويات استثنائية من التنوع البيولوجي، وتدعم الأمن الغذائي والاقتصادات الساحلية.
وتغطي المحيطات أكثر من 70% من سطح الأرض، وتحتوي على غالبية التنوع البيولوجي للكوكب، كما تمثل عنصراً أساسياً في دورة الكربون العالمية (United Nations, 2026).

ويصف تقرير الأمم المتحدة المحيط بأنه “حليفنا الأكبر في مواجهة تغير المناخ”؛ فهو يمتص نحو 90% من فائض الحرارة الناتج عن الاحترار العالمي، كما يمتص قرابة ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون البشرية.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمحيط: فكلما ازدادت قدرة المحيطات على امتصاص الحرارة والكربون، ازدادت الضغوط الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية التي تتعرض لها النظم البحرية.

1- المحيطات: “رئة الكوكب” مع ضرورة الدقة العلمية
يُستخدم تعبير “المحيطات هي رئة الكوكب” على نطاق واسع للتعبير عن أهمية المحيط في إنتاج الأكسجين وتنظيم الغلاف الجوي. وتشير الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA) إلى أن نحو 50% من إنتاج الأكسجين على الأرض يأتي من المحيط، ويُنتج الجزء الأكبر منه العوالق النباتية والطحالب والبكتيريا القادرة على البناء الضوئي.

غير أن التعبير يحتاج إلى تدقيق علمي: فالأكسجين المنتج في المحيط يُستهلك أيضاً بدرجة كبيرة بواسطة الكائنات البحرية وعمليات التحلل؛ لذلك لا يعني إنتاج نحو نصف الأكسجين أن نصف الأكسجين الذي يتنفسه الإنسان اليوم يأتي مباشرة من المحيط. ومع ذلك، فإن الإنتاج الأولي البحري يمثل وظيفة بيئية ومناخية لا غنى عنها (NOAA, 2026).

وبذلك يمكن اعتبار عبارة “رئة الكوكب” استعارة علمية-بيئية قوية، بينما تتمثل الوظيفة الكمية الأكثر أهمية من منظور المناخ في كون المحيط مخزناً ضخماً للحرارة والكربون ومنظماً رئيسياً للنظام المناخي.

2- المحيطات كأحد أكبر مستودعات الكربون على الأرض
يحتوي المحيط على نحو 37,300 مليار طن من الكربون (GtC)، وهو ما يجعله ثاني أكبر خزان طبيعي للكربون على الأرض بعد المخزون الجيولوجي، وأكبر خزان نشط ضمن الدورة السريعة للكربون. ويحتوي على أكثر من 60 ضعف كمية الكربون الموجودة في الغلاف الجوي وفق التقييم الثالث للمحيطات العالمي (United Nations, 2026).

وتعمل المحيطات على سحب CO₂ من الغلاف الجوي من خلال مسارين رئيسيين:
1. المضخة الفيزيائية/الذوبانية: إذ يذوب ثاني أكسيد الكربون في مياه البحر وينتقل جزء منه إلى الأعماق بواسطة الدوران والتيارات والاختلاط.
2. المضخة البيولوجية: حيث تمتص العوالق النباتية CO₂ أثناء عملية البناء الضوئي، ثم ينتقل جزء من الكربون العضوي إلى أعماق المحيط عبر السلسلة الغذائية والمخلفات والجزيئات العضوية الغارقة.

وتقدر الدراسات الحديثة أن المحيط امتص 25 ± 2% من إجمالي الانبعاثات البشرية من CO₂ منذ أوائل ستينيات القرن العشرين وحتى أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بمتوسط امتصاص يقارب 2.7 ± 0.3 مليار طن من الكربون سنوياً خلال 1990–2019 (Gruber et al., 2023).

وتؤكد Global Carbon Budget 2024 أن المحيط أزال منذ 1850 ما يقارب 26% من إجمالي الانبعاثات البشرية المتراكمة، بما يعادل نحو 185 ± 35 مليار طن من الكربون.

مؤشر رئيسي: كل 4 أطنان تقريباً من الانبعاثات البشرية من CO₂، امتص المحيط تاريخياً نحو طن واحد منها.
لكن هذه الخدمة المناخية ليست غير محدودة؛ فارتفاع حرارة المياه يقلل قابلية ذوبان CO₂، كما أن تغيرات دوران المحيط وتحمضه قد تؤثر مستقبلاً في كفاءة المصارف الكربونية البحرية (United Nations, 2026).

3- المحيطات: مخزن هائل للحرارة
من أبرز وظائف المحيطات المناخية امتصاص فائض الطاقة الحرارية الناتج عن ارتفاع تركيز غازات الدفيئة. وفق التقييم الثالث للمحيطات العالمي، تراكم أكثر من 90% من الحرارة التي امتصها نظام الأرض منذ 1955 في المحيطات. كما ارتفع محتوى الحرارة في الطبقات العليا حتى 2,000 متر بصورة مستمرة، وكانت وتيرة الاحترار خلال 2005–2023 أعلى بكثير من الفترة 1960–2005.

وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن محتوى حرارة المحيط وصل إلى مستوى قياسي جديد في 2025، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في 2024، وأن نحو 90% من مساحة المحيط شهدت موجة حر بحرية واحدة على الأقل خلال 2025. وتتجاوز أهمية هذه الأرقام مجرد ارتفاع درجة حرارة المياه، لأن موجات الحر البحرية تؤدي إلى:

• ابيضاض الشعاب المرجانية؛
• نفوق الكائنات الحساسة للحرارة؛
• تغير مناطق انتشار الأنواع؛
• اضطراب السلاسل والشبكات الغذائية؛
• انخفاض بعض الإنتاجيات السمكية؛
• التأثير في الأعشاب البحرية والمانغروف؛
• وتراجع قدرة بعض النظم البحرية على تخزين الكربون.
وتشير IPCC إلى أن موجات الحر البحرية أصبحت منذ الثمانينيات أكثر تكراراً وشدة وطولاً، وأن الاحترار البشري ساهم بدرجة كبيرة في هذه الاتجاهات (IPCC, 2022).

4- تحمض المحيطات: الثمن الكيميائي لامتصاص CO₂
يمثل امتصاص CO₂ ميزة مناخية للإنسان، لكنه يفرض تكلفة كيميائية على المحيط. فعندما يذوب CO₂ في مياه البحر، تحدث تفاعلات كيميائية تؤدي إلى تكوين حمض الكربونيك وانخفاض درجة الحموضة pH، مع انخفاض تشبع كربونات الكالسيوم، وهي مادة أساسية لبناء هياكل الشعاب المرجانية وأصداف عدد كبير من الكائنات البحرية.

ويشير التقييم الثالث للمحيطات العالمي إلى أن امتصاص المحيط نحو 20–30% من CO₂ الناتج عن النشاط البشري أدى إلى انخفاض متوسط pH السطحي بنحو 0.1 وحدة منذ العصر ما قبل الصناعي. أما بيانات مؤشرات أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة فتشير إلى انخفاض متوسط pH المحيط من حوالي 8.10 سنة 1985 إلى 8.04 سنة 2023، أي بمعدل يقارب 0.017 وحدة pH في العقد. وهنا تكمن مفارقة المناخ البحري:

المحيط يحمي المناخ من خلال امتصاص CO₂، لكن امتصاص CO₂ نفسه يغير كيمياء المحيط ويزيد حموضته.
وقد أظهرت المراجعات العلمية أن التحمض يمكن أن يخفض معدلات التكليس والنمو لدى عدد من الكائنات البحرية، وخاصة الشعاب المرجانية والرخويات والكائنات التي تبني هياكل أو أصدافاً من كربونات الكالسيوم (Doney et al., 2009).

5- أزمة البلاستيك: من “النفايات البحرية” إلى أزمة كوكبية
أصبح البلاستيك أحد أكثر الضغوط وضوحاً على المحيطات. وتشير منظمة الأمم المتحدة للبيئة إلى أن أكثر من 11 مليون طن من البلاستيك تدخل المحيطات سنوياً، بينما تقدر الكمية الإجمالية للبلاستيك الموجودة في المحيط بنحو 75–199 مليون طن. كما تشير المنظمة إلى أن ما بين 19 و23 مليون طن من النفايات البلاستيكية تتسرب سنوياً إلى النظم المائية، بما يشمل الأنهار والبحيرات والبحار.
وفي المقابل، يقدم التقييم الثالث للمحيطات العالمي WOA III تقديراً أحدث يبلغ نحو 52.1 مليون طن من انبعاثات النفايات البلاستيكية سنوياً.

5-1 لماذا تختلف الأرقام؟
لا ينبغي وضع هذه الأرقام في جدول واحد باعتبارها تقديرات متناقضة بالضرورة؛ فالاختلاف يعود إلى:
• سنة التقدير؛
• تعريف “الدخول إلى المحيط”؛
• هل يشمل التقدير البلاستيك من جميع المصادر أم التسرب من اليابسة فقط؟
• هل يشمل الجزيئات الدقيقة والنانوية؟
• الاختلاف بين التدفقات السنوية والمخزون المتراكم؛
• تطور تقنيات القياس والنمذجة.
وقد قدرت دراسة Jambeck et al. (2015) أن 4.8–12.7 مليون طن من البلاستيك الناتج عن النفايات البرية دخلت المحيطات في عام 2010 من 192 دولة ساحلية.

5-2 التوقعات المستقبلية
تشير دراسة Borrelle et al. (2020) إلى أن 19–23 مليون طن من النفايات البلاستيكية دخلت النظم المائية في 2016، وأن الانبعاثات السنوية يمكن أن تصل إلى 53 مليون طن بحلول 2030 في ظل سيناريوهات لا تتضمن تحولات جوهرية في الاقتصاد البلاستيكي.

5-3 هل توجد فعلاً “خمس قارات من البلاستيك”؟
من الناحية العلمية، من الأفضل عدم وصفها بأنها خمس قارات بلاستيكية. المصطلح العلمي الأقرب هو “رقع أو مناطق تراكم النفايات البحرية البلاستيكية – Garbage Patches”، وهي مناطق تركز فيها التيارات المحيطية والدوامات شبه المدارية النفايات الطافية. وقد حددت الدراسات خمس مناطق تراكم رئيسية في:
1. شمال المحيط الهادئ؛
2. جنوب المحيط الهادئ؛
3. شمال المحيط الأطلسي؛
4. جنوب المحيط الأطلسي؛
5. المحيط الهندي.

وتؤكد النماذج العلمية وجود هذه المناطق الخمس، مع انتقال جزء كبير من البلاستيك أيضاً إلى عمود الماء وقاع البحر، وليس فقط إلى سطح المحيط (Mountford & Morales Maqueda, 2019).

أما Great Pacific Garbage Patch، أو رقعة القمامة الكبرى في شمال المحيط الهادئ، فتبلغ مساحة منطقة تراكمها المقدرة نحو 1.6 مليون كيلومتر مربع، لكنها ليست جزيرة صلبة من البلاستيك؛ بل منطقة واسعة تتوزع فيها قطع بلاستيكية متفاوتة الحجم والتركيز، ويشكل الميكروبلاستيك جزءاً مهماً منها.

وعليه، فإن التعبير الأدق هو: “خمس مناطق رئيسية لتراكم النفايات البلاستيكية في أحواض المحيطات العالمية”، وليس “خمس قارات من البلاستيك”. وهذه الدقة مهمة حتى لا تتحول الصورة الإعلامية القوية إلى معلومة جغرافية غير دقيقة.

5-4 البلاستيك والتنوع البيولوجي البحري
لا تمثل النفايات البلاستيكية مشكلة جمالية فقط؛ فهي تدخل في العمليات البيئية والغذائية للمحيط. فالبلاستيك الكبير يمكن أن يؤدي إلى: تشابك السلاحف والحيتان والطيور البحرية والثدييات؛ ابتلاع النفايات؛ إتلاف الشعاب المرجانية؛ نقل الأنواع الغازية؛ تغيير الموائل؛ وتفتيت البلاستيك إلى جزيئات دقيقة تدخل السلاسل الغذائية.

وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 4,000 نوع بحري يتأثر حالياً بجزيئات البلاستيك الدقيقة وفق بيانات التقييم العالمي الحديث. كما تشير UNEP إلى أن أكثر من 800 نوع بحري وساحلي يتأثر بالتلوث البلاستيكي من خلال الابتلاع أو التشابك أو غير ذلك من التأثيرات.

6- تدهور الشعاب المرجانية: إنذار مبكر لأزمة المحيطات
تعتبر الشعاب المرجانية من أكثر النظم البيئية حساسية لارتفاع درجة حرارة مياه البحر. وتشير IPCC إلى أن الشعاب المرجانية الاستوائية تواجه مخاطر شديدة حتى عند مستويات احترار منخفضة نسبياً؛ فقد خلص تقييم IPCC إلى أن 70–90% من الشعاب المرجانية الدافئة الحالية قد تختفي عند احترار °C1.5 مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مخاطر أكبر بكثير عند °C 2 (IPCC, 2018).

وتقدم البيانات الحديثة صورة أكثر إلحاحاً. فقد أعلنت NOAA أن حدث ابيضاض الشعاب المرجانية العالمي الرابع، الذي بدأ في 2023، أثر إجهاد حراري بمستوى مسبب للابيضاض في حوالي 84.4% من مساحة الشعاب المرجانية العالمية حتى 30 سبتمبر 2025، ووصفته بأنه أكبر حدث ابيضاض عالمي مسجل حتى الآن. كما يؤكد GCRMN 2025 أن تغير المناخ وموجات الحر البحرية أصبحت المحرك الرئيسي للتراجع العالمي في الغطاء المرجاني الصلب، مع وجود تأثيرات إضافية ناتجة عن الضغوط المحلية. وتشير بيانات شبكة الرصد العالمية إلى انخفاض عالمي في الغطاء المرجاني الحي قدره نحو 14% بين 2009 و2018، وهي نتيجة مرتبطة أساساً بموجات الابيضاض والضغوط البيئية المتكررة.

7- تغير المناخ والتنوع البيولوجي البحري
لا تحدث آثار الاحترار والتحمض بصورة منفصلة، بل تعمل ضمن شبكة من الضغوط المتراكبة تشمل الصيد الجائر والتلوث وتدمير الموائل وتغير المغذيات ونقص الأكسجين. وقد وجدت IPCC أن الاحترار والتحمض ونقص الأكسجين يغيرون توزيع الأنواع البحرية ووفرتها وبنيتها المجتمعية. وتشير الأدلة إلى انتقال كثير من الأنواع البحرية نحو مناطق أعلى خط عرض بمعدل متوسط يقارب 59.2 ± 15.5 كيلومتراً لكل عقد منذ الاحترار الحديث، مع اختلافات كبيرة بين الأنواع والمناطق (IPCC, 2022). كما أشار IPBES إلى أن ما يقارب ثلث الشعاب المرجانية المكوّنة للشعاب وأكثر من ثلث الثدييات البحرية مصنفة ضمن الأنواع المهددة وفق تقييمه العالمي للتنوع البيولوجي (IPBES, 2019). وهكذا، فإن تغير المناخ لا يؤدي فقط إلى “ارتفاع حرارة البحر”، بل يعيد تشكيل الخريطة البيولوجية للمحيطات.

8- الكربون الأزرق: حماية المحيط باعتبارها سياسة مناخية
لا ينبغي حصر الحلول في المياه المفتوحة فقط، بل يجب حماية النظم الساحلية ذات القدرة العالية على تخزين الكربون، وعلى رأسها: غابات المانغروف؛ مروج الأعشاب البحرية؛ المستنقعات والمد والجزر؛ الأراضي الرطبة الساحلية؛ وبعض النظم الرسوبية الساحلية. ويشير تقرير IOC-UNESCO إلى أن بعض النظم البحرية الساحلية، مثل المانغروف والأعشاب البحرية والمستنقعات المدية، يمكن أن تمتلك قدرة عالية على تخزين الكربون، وقد تتجاوز بعض معدلات التخزين في النظم الساحلية معدلات نظيراتها البرية. ومن هنا تظهر أهمية مفهوم الكربون الأزرق Blue Carbon كجسر بين تعزيز حماية التنوع البيولوجي والأنظمة البيئية، ودعم التكيف مع آثار التغير المناخي والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية.

كما يهدف إلى حماية السواحل والموارد البحرية، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة المخاطر المناخية، بما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

9- جدول المؤشرات الرقمية الرئيسية

10- من “حماية المحيط” إلى “حماية النظام المناخي”
توضح المعطيات السابقة أن حماية المحيط ليست سياسة قطاعية تخص وزارات الصيد البحري أو البيئة فقط؛ بل هي جزء من السياسة المناخية والتنموية والغذائية والاقتصادية العالمية. ويمكن بناء استراتيجية متكاملة حول ستة محاور:

1. الحد من الانبعاثات: لأن حماية المحيط من الاحترار والتحمض تبدأ أساساً بتقليص انبعاثات CO₂ وغازات الدفيئة.
2. وقف تسرب البلاستيك: من خلال تقليل البلاستيك أحادي الاستخدام، وتحسين جمع النفايات، والاقتصاد الدائري، ومنع وصول النفايات إلى الأنهار والسواحل.
3. حماية الكربون الأزرق: خصوصاً المانغروف والأعشاب البحرية والأراضي الرطبة الساحلية.
4. استعادة الشعاب المرجانية والنظم الساحلية: من خلال الحد من التلوث والصيد المدمر، وإعادة تأهيل الموائل، وتعزيز المناطق البحرية المحمية.
5. تعزيز الرصد العلمي: بناء شبكات وطنية وإقليمية لرصد: ترصد هذه المؤشرات المتكاملة تأثير ارتفاع حرارة البحر وتغير قيمة pH ونقص الأكسجين وزيادة تركيز CO₂ على استقرار النظم البحرية والتنوع البيولوجي. كما تشمل متابعة الملوثات البلاستيكية وصحة الشعاب والنظم الساحلية، مع تعزيز دور الكربون الأزرق في تخزين الكربون ودعم مرونة النظم البيئية في مواجهة التغير المناخي.
6. ربط العلم بالسياسات: ينبغي أن تتحول بيانات المحيطات إلى مؤشرات في الخطط المناخية الوطنية، والمساهمات المحددة وطنياً NDCs، والاستراتيجيات الوطنية للتنوع البيولوجي، والتخطيط الساحلي.

11- مناقشة واستنتاج
تكشف الأدلة العلمية أن المحيطات تؤدي وظيفة مزدوجة شديدة الأهمية: فهي تخفف من آثار تغير المناخ، لكنها في الوقت ذاته تتلقى القسم الأكبر من صدماته. فالمحيط يمتص أكثر من 90% من فائض الحرارة، ويمتص قرابة ربع الانبعاثات البشرية من CO₂، ويخزن عشرات آلاف مليارات الأطنان من الكربون. لكن هذه الخدمة البيئية تأتي بثمن: ارتفاع حرارة المياه، وتحمضها، وتراجع الأكسجين، وتغير توزيع الأنواع، وازدياد موجات الحر البحرية، وتدهور الشعاب المرجانية.

أما البلاستيك، فقد أصبح يمثل ضغطاً إضافياً على هذه المنظومة. ولا ينبغي اختزال المشكلة في الصور الإعلامية لـ”الجزر البلاستيكية”، لأن الجزء الأكبر من المشكلة أكثر تعقيداً: البلاستيك موزع بين السواحل، والأنهار، والسطح، وعمود الماء، والرواسب وقاع المحيط، ويتحول تدريجياً إلى ميكروبلاستيك ونانو بلاستيك.

ومن ثم، فإن العبارة: “المحيطات هي رئة الكوكب وأكبر مستودع طبيعي للكربون”
يمكن اعتمادها كعنوان توعوي قوي، لكن الصياغة الأكاديمية الأكثر دقة هي: “المحيطات نظام حيوي مركزي لتنظيم المناخ، وأحد أكبر المستودعات الطبيعية النشطة للكربون، وأحد أهم مصادر الإنتاج الأولي والأكسجين على الكوكب.”

وتكمن الرسالة الأساسية في أن إنقاذ المحيطات ليس هدفاً بيئياً منفصلاً عن العمل المناخي؛ بل هو أحد شروط نجاحه.
فإذا استمر ارتفاع درجات الحرارة وتحمض المحيطات وتلوثها بالبلاستيك وتدهور الشعاب والموائل الساحلية، فإن البشرية لا تخاطر فقط بفقدان التنوع البيولوجي البحري، بل قد تضعف أيضاً إحدى أهم آليات الكوكب الطبيعية لامتصاص الحرارة والكربون.
لذلك، ينبغي الانتقال من مقاربة «تنظيف المحيط» إلى مقاربة شاملة ومتكاملة تقوم على خفض الانبعاثات ومنع التلوث، وحماية مخزونات الكربون الأزرق، واستعادة النظم البحرية والساحلية، وتعزيز الرصد العلمي والحكامة البحرية، بما يساهم في بناء مرونة مناخية قادرة على حماية التنوع البيولوجي والموارد البحرية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

خاتمة
المحيطات ليست مجرد مستقبل للنفايات التي ينتجها الإنسان، ولا مجرد مصدر للأسماك والطاقة والنقل؛ إنها جزء أساسي من البنية الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية التي تجعل الحياة على الأرض ممكنة. وكل طن من الكربون تمتصه المحيطات، وكل كمية من الحرارة تخزنها، وكل غابة مانغروف أو مرج بحري نحافظ عليه، تمثل جزءاً من رأس المال الطبيعي والمناخي للكوكب.
لكن قدرة المحيطات على الاستمرار في أداء هذه الوظائف ليست غير محدودة. إن حماية المحيطات يجب أن تصبح جزءاً أصيلاً من الاستراتيجيات الوطنية والدولية للتخفيف من تغير المناخ والتكيف معه، ومن حماية التنوع البيولوجي والاقتصاد الأزرق والأمن الغذائي.
“إن حماية المحيطات هي في جوهرها حماية لقدرة الأرض على تنظيم مناخها ودعم الحياة.”

المراجع
Borrelle, S. B., Ringma, J., Law, K. L., Monnahan, C. C., Lebreton, L., McGivern, A., Murphy, E., Jambeck, J., Leonard, G. H., Hilleary, M. A., Eriksen, M., Possingham, H. P., De Frond, H., Gerber, L. R., Polidoro, B., Tahir, A., Bernard, M., Mallos, N., Barnes, M., & Rochman, C. M. (2020). Predicted growth in plastic waste exceeds efforts to mitigate plastic pollution. Science, 369(6510), 1515–1518.
Doney, S. C., Fabry, V. J., Feely, R. A., & Kleypas, J. A. (2009). Ocean acidification: The other CO₂ problem. Annual Review of Marine Science, 1, 169–192. doi:10.1146/annurev.marine.010908.163834.
Gruber, N., Bakker, D. C. E., DeVries, T., Gregor, L., Hauck, J., Landschützer, P., McKinley, G. A., Müller, J. D., et al. (2023). Trends and variability in the ocean carbon sink. Nature Reviews Earth & Environment, 4, 119–134.
Intergovernmental Panel on Climate Change. (2018). Global warming of 1.5°C. IPCC.
Intergovernmental Panel on Climate Change. (2022). Climate change 2022: Impacts, adaptation and vulnerability—Chapter 3: Oceans and coastal ecosystems and their services. IPCC.
Jambeck, J. R., Geyer, R., Wilcox, C., Siegler, T. R., Perryman, M., Andrady, A., Narayan, R., & Law, K. L. (2015). Plastic waste inputs from land into the ocean. Science, 347(6223), 768–771. doi:10.1126/science.1260352.
Mountford, A., & Morales Maqueda, M. Á. (2019). Eulerian modeling of the three-dimensional distribution of seven popular microplastic types in the global ocean. Journal of Geophysical Research: Oceans, 124(12).
National Oceanic and Atmospheric Administration. (2026). Current global bleaching: Status update & data submission. NOAA Coral Reef Watch.
United Nations. (2026). Third World Ocean Assessment. United Nations Division for Ocean Affairs and the Law of the Sea.
United Nations Environment Programme. (2026). Plastic pollution & marine litter. UNEP.
World Meteorological Organization. (2026). State of the Global Climate 2025. WMO.
Global Coral Reef Monitoring Network. (2025). Status of the coral reefs of the world: 2025. GCRMN.

(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الأعاصير والعواصف في عصر تغير المناخ

كيف يعيد الاحترار العالمي تشكيل المخاطر الطبيعية؟ قراءة علمية في تحولات شدة العواصف والأمطار والفيضانات …

اترك تعليقاً