من الماء إلى الشمس

 

نحو نموذج الحوض المائي سبو للطاقة الشمسية العائمة بالمغرب.

دراسة أكاديمية حول إمكانات توظيف الطاقة الشمسية العائمة فوق بحيرات 12 سداً بحوض سبو، ودورها في الحد من التبخر وتعزيز الأمن المائي والانتقال الطاقي والتكيف مع تغير المناخ

شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية – 3 أكتوبر 2026

الملخص
يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة في تدبير موارده المائية والطاقية، في سياق يتسم بتوالي فترات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الطلب على المياه، إلى جانب الالتزام بتسريع الانتقال نحو منظومة طاقية منخفضة الكربون. وفي هذا السياق، تكتسب مبادرة وكالة الحوض المائي لسبو الرامية إلى دراسة إمكانية توظيف الطاقة الشمسية العائمة فوق بحيرات اثني عشر سداً كبيراً بالحوض أهمية استراتيجية وعلمية متزايدة. فقد أدرجت الوكالة هذه الدراسة ضمن برنامجها التوقعي، في توجه يعكس انتقال التفكير في السدود من مجرد منشآت لتخزين المياه إلى بنيات متعددة الوظائف تجمع بين الأمن المائي وإنتاج الطاقة والتكيف مع تغير المناخ.

وتقوم فكرة الطاقة الشمسية العائمة على تثبيت ألواح كهروضوئية فوق منصات عائمة على سطح الخزانات المائية، بما يسمح باستغلال المساحات المائية غير المستعملة لإنتاج الكهرباء، مع إمكانية الحد من جزء من فقدان المياه الناتج عن التبخر. وتشير دراسات حديثة أجريت على سدود مغربية، ومن بينها دراسات خاصة بحوض سبو وسد الوحدة، إلى إمكانات مهمة في هذا المجال. فقد قدرت إحدى الدراسات أن تغطية 15% من مساحة بعض الخزانات المدروسة يمكن أن تحقق وفورات مائية تصل إلى نحو 11.93 مليون متر مكعب سنوياً، بينما قدرت دراسة أخرى خاصة بسد الوحدة إمكانية توفير نحو 15.2 مليون متر مكعب سنوياً في أحد السيناريوهات المدروسة، إلى جانب إنتاج كميات مهمة من الكهرباء المتجددة (Mouhaya et al., 2025, 2026).

ويهدف هذا البحث إلى تحليل الأبعاد المائية والطاقية والبيئية والمناخية والاقتصادية المحتملة للطاقة الشمسية العائمة في حوض سبو، ومناقشة التجارب المغربية والدولية، واقتراح إطار علمي ومنهجي لتقييم ملاءمة السدود الاثني عشر، مع التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين إنتاج الطاقة والمحافظة على المياه وحماية النظم البيئية وضمان سلامة المنشآت المائية.

الكلمات المفتاحية: الطاقة الشمسية العائمة، حوض سبو، السدود، التبخر، الأمن المائي، الطاقة المتجددة، تغير المناخ، المغرب، المياه والطاقة.

مقدمة
أصبح تغير المناخ أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل الموارد المائية والطاقة على المستوى العالمي، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط التساقطات وتزايد تواتر فترات الجفاف إلى زيادة الضغط على الأحواض المائية والخزانات والسدود. وفي المناطق شبه الجافة والجافة، لا يمثل التبخر مجرد ظاهرة هيدرولوجية طبيعية، وإنما يشكل أحد مسارات فقدان الموارد المائية التي تزداد أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية مع ارتفاع ندرة المياه.

ويواجه المغرب هذه التحولات في سياق مائي حساس، اتسم خلال السنوات الأخيرة بتوالي فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية المتاحة للفرد. وقد دفع ذلك الدولة إلى إعادة التفكير في تدبير الموارد المائية من خلال تعزيز البنية التحتية للتخزين، وتحسين كفاءة استعمال المياه، وتطوير تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، والبحث عن حلول مبتكرة للحد من الفواقد المائية.

في المقابل، يعمل المغرب على تسريع الانتقال الطاقي، مستفيداً من موارده المهمة من الطاقة الشمسية والريحية والكهرومائية. ومن هنا يظهر مجال جديد يجمع بين تحدي الماء وفرص الطاقة، يتمثل في الطاقة الشمسية العائمة، وهي تقنية تسمح باستغلال سطح الخزانات المائية لتركيب ألواح كهروضوئية دون الحاجة إلى تخصيص مساحات واسعة من الأراضي.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في حوض سبو، باعتباره أحد أهم الأحواض المائية بالمغرب، واحتوائه على عدد كبير من السدود والخزانات التي تؤدي وظائف متعددة في تزويد السكان بالمياه، ودعم النشاط الفلاحي والصناعي، وتنظيم الموارد المائية، وإنتاج الطاقة. وفي هذا السياق، تبرز دراسة إمكانية استخدام الطاقة الشمسية العائمة فوق بحيرات 12 سداً كبيراً بالحوض باعتبارها فرصة للبحث في نموذج جديد يدمج بين إنتاج الطاقة والمحافظة على المياه والتكيف مع تغير المناخ.

1- حوض سبو وإعادة التفكير في وظيفة السدود
يمتد حوض سبو على مجال جغرافي واقتصادي مهم، ويؤدي دوراً محورياً في التنمية الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب. وتضم المنظومة المائية للحوض مجموعة من السدود الكبرى التي تساهم في تخزين وتنظيم الموارد المائية وتلبية حاجيات القطاعات المختلفة. وتؤكد وكالة الحوض المائي لسبو أن موارد الحوض تخدم ملايين السكان ومجموعة واسعة من المراكز الحضرية والأنشطة الاقتصادية والفلاحية (Agence du Bassin Hydraulique du Sebou [ABHS], n.d.).

غير أن وظيفة السدود لم تعد تقتصر على تخزين المياه. ففي ظل التحولات المناخية، أصبح من الضروري النظر إليها باعتبارها بنيات تحتية استراتيجية متعددة الوظائف، يمكن أن تساهم في الأمن المائي والطاقة والتكيف المناخي وحماية النظم البيئية. ومن هذا المنظور، يمكن لسطح الخزان المائي أن يتحول من فضاء يتعرض لفقدان جزء من مياهه عن طريق التبخر إلى فضاء يؤدي وظيفة إضافية تتمثل في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية. إن هذا التحول المفاهيمي يمثل انتقالاً من نموذج تقليدي يقوم على «السد لتخزين المياه» إلى نموذج أكثر تكاملاً يمكن وصفه بـ «السد متعدد الوظائف للماء والطاقة والمناخ»، حيث تتكامل الوظيفة المائية مع الوظيفة الطاقية والبيئية.

2- الطاقة الشمسية العائمة: مفهوم تقني واستراتيجي
تقوم الطاقة الشمسية العائمة على تثبيت الألواح الكهروضوئية فوق هياكل عائمة مصممة خصيصاً للعمل في البيئات المائية. وتتكون المنظومة عادة من الألواح الشمسية، والهياكل العائمة، وأنظمة التثبيت والمراسي، والكابلات، والمحولات، ومعدات الحماية والمراقبة، إضافة إلى بنية للولوج والصيانة. وتختلف هذه التكنولوجيا عن المحطات الشمسية الأرضية في أنها لا تتطلب الاستحواذ على مساحات واسعة من الأراضي. كما أن وجود الألواح فوق سطح الماء قد يوفر ظروفاً حرارية ملائمة نسبياً للأداء الكهروضوئي، نتيجة تأثير التبريد الذي توفره البيئة المائية. وقد أشارت دراسة تجريبية مغربية حديثة إلى إمكانية انخفاض درجة حرارة الألواح العائمة مقارنة بالألواح الأرضية، مع تحسن محدود في إنتاج الكهرباء في ظروف الاختبار المدروسة (Mouhaya et al., 2026).

لكن القيمة الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى الأحواض المائية لا ترتبط بالطاقة وحدها، وإنما بإمكانية الحد من التبخر. فالألواح توفر ظلاً جزئياً على سطح الماء وتحد من تعرض جزء منه للإشعاع الشمسي المباشر، كما يمكن أن تؤثر في حركة الرياح فوق السطح المغطى، وهو ما قد يؤدي إلى تقليل معدل التبخر.

3- التبخر باعتباره تحدياً للأمن المائي
يعد التبخر أحد أهم مكونات الميزان المائي للخزانات، وتتأثر شدته بدرجة الحرارة والإشعاع الشمسي والرطوبة النسبية وسرعة الرياح ومساحة سطح الماء. وفي الظروف المناخية الحارة والجافة، يمكن أن تصل الخسائر السنوية إلى مستويات مهمة، خاصة في الخزانات ذات المساحات السطحية الكبيرة. وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة في المغرب نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الجفاف. وقد أظهرت دراسة وطنية حديثة شملت 58 سداً مغربياً أن مجموع التبخر السنوي للخزانات المدروسة يمكن أن يصل إلى حوالي 909.46 مليون متر مكعب، بينما قدرت مساحة الأسطح المائية المدروسة بحوالي 433 كيلومتراً مربعاً (Mouhaya et al., 2026).

وتبرز هذه الأرقام أن جزءاً من المياه التي يتم تخزينها بجهود واستثمارات ضخمة يمكن أن يفقد قبل استعماله نتيجة الظروف المناخية. وبالتالي، فإن أي تقنية قادرة على تقليل جزء من هذا الفقدان تكتسب أهمية استراتيجية، شريطة ألا تنتج عنها آثار بيئية أو تشغيلية أكبر من المنافع المتوقعة.

4- التجارب المغربية والعالمية في مجال المحطات العائمة للطاقة الشمسية
4-1 حوض سبو: من الإمكان النظري إلى الدراسة التطبيقية
تزداد أهمية مشروع الطاقة الشمسية العائمة في سبو بسبب وجود أدلة علمية حديثة مرتبطة مباشرة بالحوض. فقد تناولت دراسة منشورة سنة 2025 إمكانات الطاقة الشمسية العائمة والمحافظة على المياه في أربعة سدود كهرومائية بحوض سبو، من خلال نمذجة سيناريوهات مختلفة لتغطية سطح الخزانات. وأظهرت النتائج أن تغطية 15% من أسطح الخزانات في السيناريو المدروس يمكن أن تحقق وفورات مائية تصل إلى حوالي 11.93 مليون متر مكعب سنوياً، بينما يمكن أن تؤدي تغطية 10% إلى إنتاج يناهز 1,270 جيغاواط ساعة سنوياً من الكهرباء في الحالات التي شملتها الدراسة (Mouhaya et al., 2025).

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها توفر أساساً علمياً أولياً لتقييم جدوى التقنية في سياق سبوي حقيقي، بدلاً من الاعتماد فقط على نتائج مستخلصة من تجارب دولية ذات ظروف مناخية وهيدرولوجية مختلفة.

غير أن هذه النتائج لا تعني أن نسبة التغطية المثلى لجميع سدود سبو هي % 10 أو % 15. فكل خزان يختلف من حيث المساحة والمناسيب والتبخر والاستعمالات المائية والخصائص البيئية والشبكة الكهربائية. ولذلك يجب أن يتم تحديد النسبة المثلى لكل سد على حدة.

4-2 سد الوحدة: مختبر استراتيجي للطاقة الشمسية العائمة
يحتل سد الوحدة موقعاً مهماً في هذه المناقشة، نظراً إلى حجمه الكبير وموقعه داخل منظومة حوض سبو. وقد خصصت دراسة حديثة تحليلاً خاصاً لإمكانات تركيب أنظمة الطاقة الشمسية العائمة فوقه، من خلال سيناريوهات مختلفة للتغطية. وأظهرت النمذجة أنه في سيناريو تغطية 15% يمكن الوصول نظرياً إلى إنتاج سنوي يناهز 4.17 تيراواط ساعة، مع إمكانية توفير نحو 15.2 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وهو ما قدرته الدراسة بحوالي 12% من التبخر السنوي للخزان في السيناريو المدروس (Mouhaya et al., 2026).

وتشير هذه النتائج إلى أن سد الوحدة يمكن أن يمثل حالة نموذجية لدراسة العلاقة بين المساحة المائية المغطاة، والإنتاج الكهربائي، والمياه المحفوظة. ومع ذلك، فإن الأرقام المذكورة تمثل نتائج نمذجة علمية وليست بيانات تشغيلية لمحطة قائمة، وبالتالي تحتاج إلى التحقق بواسطة قياسات ميدانية ودراسة هندسية وبيئية متكاملة قبل اعتمادها كأساس لقرار استثماري.

4-3 التجربة المغربية: من البحث العلمي إلى التطبيق
بدأت الطاقة الشمسية العائمة في الانتقال تدريجياً من مجال الدراسات إلى المشاريع العملية في المغرب. ومن أبرز الأمثلة مشروع المحطة الشمسية العائمة المرتبطة بسد واد الرمل بالقرب من مركب طنجة المتوسط، حيث أطلقت طنجة المتوسط دراسة لإنجاز محطة كهروضوئية عائمة بقدرة مستهدفة تبلغ حوالي 13 ميغاواط فوق مساحة مائية تقارب 123 هكتاراً (Tanger Med Special Agency, 2024).

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأنها تؤكد إمكانية توظيف الخزانات المائية المغربية كمنصات لإنتاج الكهرباء النظيفة، كما تبرز إمكانية ربط الطاقة الشمسية العائمة مباشرة بالحاجيات الصناعية والاقتصادية الكبرى.
وبالتالي، يمكن لحوض سبو الاستفادة من الدروس التقنية والمؤسساتية لهذه التجربة، مع مراعاة الاختلافات بين خصائص سد واد الرمل والسدود الاثني عشر المزمع دراستها.

4-4 التجارب الدولية ودروسها
أصبحت الطاقة الشمسية العائمة تقنية متنامية على المستوى الدولي، خاصة في الدول التي تواجه في الوقت نفسه محدودية الأراضي وارتفاع الطلب على الطاقة والمياه. وتقدم سنغافورة نموذجاً مهماً في هذا المجال من خلال محطة Tengeh Floating Solar Farm بقدرة تبلغ حوالي 60 ميغاواط ذروة، وتضم أكثر من 122 ألف لوح شمسي وتغطي مساحة تقدر بحوالي 45 هكتاراً. وقد قدرت السلطات السنغافورية مساهمتها في خفض الانبعاثات بنحو 32 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، مع توفير حوالي 7% من احتياجات هيئة المياه السنوية من الكهرباء (Public Utilities Board [PUB], 2021).

وتتميز التجربة السنغافورية ليس بحجم المحطة فقط، وإنما بمنهجية الحكامة البيئية المصاحبة لها، حيث تم اعتماد برامج لمراقبة جودة المياه والتنوع البيولوجي ودرجة الحرارة والأكسجين وغيرها من المؤشرات البيئية. وتقدم هذه التجربة درساً مهماً لحوض سبو مفاده أن نجاح الطاقة الشمسية العائمة لا يقاس فقط بكمية الكهرباء المنتجة، بل كذلك بقدرتها على الاندماج في النظام البيئي والمائي دون إحداث تأثيرات غير مقبولة.

وفي الهند، يمثل مشروع Omkareshwar Floating Solar Park نموذجاً آخر للتوسع الكبير، حيث تبلغ القدرة المستهدفة حوالي 600 ميغاواط، ما يعكس إمكانية تطوير مشاريع ضخمة عندما تتوافر مساحات مائية واسعة وبنية تحتية كهربائية مناسبة (Ministry of New and Renewable Energy, 2025). وعلى المستوى العالمي، قدرت دراسة منشورة في Nature Sustainability الإمكانات النظرية للطاقة الشمسية العائمة عند تغطية نسبة من أسطح أكثر من 114 ألف خزان بحوالي 9,434 تيراواط ساعة سنوياً، مع إمكانية تحقيق وفورات مائية تصل إلى حوالي 106 كيلومترات مكعبة سنوياً في السيناريو العالمي المدروس (Santos et al., 2023). وتؤكد هذه النتائج أن الطاقة الشمسية العائمة أصبحت جزءاً من النقاش العالمي حول العلاقة بين الماء والطاقة والمناخ.

5- أهمية محطات الطاقة الشمسية العائمة
5-1 الطاقة الشمسية العائمة والحد من تغير المناخ
تسهم الطاقة الشمسية العائمة في التخفيف من تغير المناخ أساسا من خلال إنتاج الكهرباء من مصدر متجدد، بما يسمح بتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية. ويزداد أثرها المناخي عندما يتم دمجها مع مصادر متجددة أخرى، مثل الطاقة الكهرومائية. وتتميز السدود بهذا الخصوص بإمكانية التكامل بين الطاقة الشمسية والكهرومائية. ففي فترات الإشعاع الشمسي المرتفع يمكن للمحطة الشمسية إنتاج الكهرباء، بينما يمكن استغلال المرونة التشغيلية للمحطة الكهرومائية عند الحاجة إلى تعويض التذبذب في الإنتاج الشمسي. ومن ثم، فإن الجمع بين: الطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية ثم التخزين المائي. يمكن أن يوفر منظومة أكثر مرونة مقارنة بالاعتماد على مصدر متجدد واحد.

5-2 التأثير المحتمل على الأمن المائي
تكمن القيمة الأكثر تميزاً للطاقة الشمسية العائمة في حالة السدود المغربية في إمكانية الجمع بين إنتاج الكهرباء والمحافظة على جزء من المياه المخزنة. فإذا افترضنا أن محطة ما أدت إلى خفض التبخر بنسبة محددة، فإن كمية المياه التي تم توفيرها يمكن أن تظل داخل الخزان وتصبح متاحة للاستخدامات المختلفة. وهذا يعني أن المياه المحفوظة يمكن أن تساهم بصورة غير مباشرة في دعم مياه الشرب والري والصناعة والمحافظة على المخزون الاستراتيجي خلال فترات الجفاف. لكن يجب التأكيد علمياً على أن نسبة خفض التبخر لا يمكن تعميمها بين جميع السدود، لأنها تعتمد على الظروف المناخية والهيدرولوجية وتصميم المحطة ونسبة التغطية.

5-3 العلاقة بين الماء والطاقة والمناخ
تكشف الطاقة الشمسية العائمة عن أهمية الانتقال من المقاربات القطاعية إلى مقاربة الترابط بين الماء والطاقة والمناخ.
فالماء يحتاج إلى الطاقة في الضخ والمعالجة والنقل والتوزيع، بينما تعتمد بعض أنظمة الطاقة التقليدية على المياه في التبريد والإنتاج. وفي المقابل، يمكن للطاقة الشمسية العائمة أن تستخدم سطح الماء لإنتاج الكهرباء، بينما تساعد هذه المنظومة في الحد من جزء من خسائر المياه الناتجة عن التبخر.

وبذلك يتجسد نموذج دائري متكامل للعلاقة بين الماء والطاقة والمناخ، حيث تتحول خزانات السدود من مجرد فضاءات لتخزين المياه إلى منصات متعددة الوظائف تجمع بين تأمين المورد المائي وإنتاج الطاقة النظيفة. فالماء يوفر المجال الملائم لتركيب محطات الطاقة الشمسية العائمة، بينما تساهم الطاقة المنتجة في دعم خدمات الماء وتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية. وفي المقابل، تعمل الألواح الشمسية على تغطية جزء من سطح الخزانات، مما قد يحد من التبخر ويحافظ على جزء من الموارد المائية، خاصة في المناطق التي تواجه ضغطاً مائياً وارتفاعاً في درجات الحرارة. ومن ثم، فإن الجمع بين إنتاج الطاقة المتجددة، وتقليص فاقد المياه، والحد من الانبعاثات، وتعزيز كفاءة تدبير السدود يمكن أن يشكل مدخلاً عملياً لبناء مرونة أكبر في مواجهة تغير المناخ، وتحقيق تكامل فعلي بين سياسات الماء والطاقة والانتقال المناخي. وهذا الترابط يجعل المشروع أكثر من مجرد مشروع للطاقة الشمسية، ويمنحه بعداً استراتيجياً في مجال الأمن المائي والمناخي.

6- الأبعاد البيئية للطاقة الشمسية العائمة
على الرغم من المزايا المحتملة، فإن تركيب الألواح فوق سطح المياه يمكن أن يؤثر في بعض الخصائص الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية للخزان. وقد يرتبط ذلك بتغير كمية الضوء التي تصل إلى الماء، ودرجة الحرارة، والأكسجين الذائب، ودينامية الطحالب، والموائل المائية، فضلاً عن احتمال التأثير على بعض أنواع الطيور والأسماك.

ولهذا ينبغي ألا يتم التعامل مع الطاقة الشمسية العائمة باعتبارها تقنية ذات أثر بيئي صفري. بل ينبغي إجراء دراسة خط أساس بيئي قبل المشروع، ثم وضع برنامج للرصد المستمر أثناء مرحلة التشغيل. وتقدم تجربة سنغافورة نموذجاً مفيداً في هذا المجال، حيث تم إدماج المراقبة البيئية في تصميم المشروع، بما يسمح بتقييم جودة المياه والتنوع البيولوجي بشكل مستمر (PUB, 2021).

6-1 ضرورة تحديد نسبة التغطية المثلى
تعد نسبة تغطية سطح الخزان من أهم المتغيرات التي ينبغي دراستها. فزيادة مساحة الألواح تؤدي من حيث المبدأ إلى زيادة القدرة المركبة، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع التكاليف وتعقيد الصيانة وزيادة التأثيرات البيئية المحتملة. لذلك، فإن السؤال العلمي الصحيح ليس: ما أكبر مساحة يمكن تغطيتها؟ بل: ما نسبة التغطية التي تحقق أفضل توازن بين إنتاج الطاقة، وتوفير المياه، وحماية البيئة، وسلامة السد والجدوى الاقتصادية؟
ومن الناحية المنهجية، يمكن اختبار سيناريوهات بنسبة %5 و%10 و%15، مع دراسة سيناريوهات إضافية في المواقع التي تسمح خصائصها بذلك.

6-2 نحو نموذج علمي لتقييم السدود الاثني عشر
ينبغي أن تعتمد دراسة وكالة الحوض المائي لسبو على نموذج متعدد المعايير يدمج الجوانب الهيدرولوجية والطاقية والاقتصادية والبيئية. وينبغي أن تبدأ الدراسة بتحديد مساحة كل خزان وتغيراتها الموسمية، ثم حساب معدلات التبخر، وتحليل الموارد الشمسية، ودراسة سرعة الرياح، وتحديد المساحة المائية القابلة للتغطية، وتحليل البنية التحتية الكهربائية القائمة، ودراسة جودة المياه والتنوع البيولوجي، ثم إجراء النمذجة الاقتصادية.

وبعد ذلك يمكن حساب مؤشرات مركبة من قبيل كمية الكهرباء المنتجة لكل هكتار، وحجم المياه المحفوظة لكل ميغاواط، والانبعاثات المتفاداة سنوياً، والتكلفة لكل متر مكعب من المياه المحفوظة. ومن شأن هذه المقاربة أن تسمح بترتيب المواقع ليس وفق حجمها فقط، وإنما وفق القيمة المائية والطاقية والبيئية المتكاملة.

7- الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المحتمل
يمكن للطاقة الشمسية العائمة أن تخلق قيمة اقتصادية تتجاوز بيع الكهرباء. فإذا أدت إلى تخفيض التبخر، فإنها تساهم في المحافظة على مورد اقتصادي نادر، بينما يمكن أن تؤدي مشاريع الإنشاء والصيانة والمراقبة إلى خلق فرص عمل جديدة مرتبطة بالطاقة المتجددة والهندسة والرقمنة والبيئة.

كما يمكن أن تفتح هذه المشاريع المجال أمام الجامعات ومراكز البحث لتطوير حلول مغربية في مجال المواد العائمة، وأنظمة التثبيت، ومراقبة المياه، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والصيانة التنبئية. وبذلك يمكن أن تتحول السدود إلى مختبرات حية للابتكار الأخضر تجمع بين الطاقة والماء والرقمنة والبحث العلمي.

7-1 نحو مرصد للماء والطاقة والمناخ بحوض سبو
يمكن أن يشكل المشروع فرصة لإنشاء مرصد للماء والطاقة والمناخ بحوض سبو يتولى تجميع البيانات المتعلقة بالتبخر وجودة المياه والإنتاج الكهربائي والتنوع البيولوجي والانبعاثات المتفاداة. وسيتيح هذا المرصد إنتاج مؤشرات سنوية تسمح بمقارنة الأداء بين السدود، وتقييم مدى تحقيق الأهداف، وتصحيح التصميمات التشغيلية عند الحاجة.
كما يمكن تطوير منصة رقمية تعتمد على الاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لمراقبة تغير مساحة المياه، وحساب التبخر، وتتبع أداء الألواح، ورصد بعض المؤشرات البيئية.

7-2 منطق جديد لتدبير السدود
إن إدماج الطاقة الشمسية العائمة في السدود يمثل تحولاً في فلسفة التدبير. فالسد لم يعد مجرد منشأة لتخزين المياه، بل يمكن أن يصبح بنية تحتية ذكية تجمع بين: تخزين المياه، وإنتاج الطاقة، والحد من التبخر، ودعم الشبكة الكهربائية، والتكيف المناخي، والرصد البيئي.

وهذا التحول يتطلب بطبيعة الحال حكامة متعددة القطاعات تجمع بين وكالة الحوض المائي، وقطاع الماء، وقطاع الطاقة، والمكتب الوطني للكهرباء والماء، والجهات والجماعات والجامعات والمستثمرين والمجتمع المدني.

خاتمة
إن دراسة إمكانية إقامة محطات للطاقة الشمسية العائمة فوق بحيرات اثني عشر سداً بحوض سبو تمثل فرصة مهمة لإعادة التفكير في العلاقة بين الماء والطاقة والمناخ في المغرب. فالتقنية لا تقتصر على إنتاج الكهرباء من مصدر متجدد، وإنما تفتح إمكانية تحقيق منفعة مزدوجة تتمثل في إنتاج الطاقة والحد من فقدان جزء من المياه بسبب التبخر.
وتظهر الدراسات العلمية الحديثة أن الإمكانات قد تكون مهمة. فقد سجلت دراسات مرتبطة بحوض سبو وسد الوحدة نتائج نمذجة تشير إلى إمكانية توفير ملايين الأمتار المكعبة من المياه سنوياً، بالتوازي مع إنتاج كميات مهمة من الكهرباء. غير أن هذه النتائج يجب التعامل معها باعتبارها مؤشرات علمية على الإمكانات وليست نتائج تشغيلية نهائية.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لدراسة وكالة الحوض المائي لسبو تكمن في إمكانية الانتقال من التقدير النظري إلى نظام علمي متكامل لتقييم السدود الاثني عشر، يأخذ بعين الاعتبار الهيدرولوجيا والطاقة والبيئة والاقتصاد والمناخ والسلامة.
إن النموذج المنشود لا ينبغي أن يكون: “تغطية السدود بالألواح الشمسية”.
بل: “تحويل السدود إلى منصات ذكية للماء والطاقة والمناخ”.

وفي هذا الإطار، يمكن أن يصبح حوض سبو مجالاً تجريبياً وطنياً لتطوير نموذج مغربي للطاقة الشمسية العائمة، يقوم على قاعدة أساسية مفادها أن الانتقال الطاقي لا ينبغي أن ينفصل عن الأمن المائي، وأن حماية المياه يمكن أن تصبح في حد ذاتها جزءاً من استراتيجية الانتقال المناخي. وبذلك يصبح الشعار العلمي والاستراتيجي المقترح لهذا التوجه: “من سطح الماء إلى طاقة المستقبل: ماء محفوظ، طاقة نظيفة، ومرونة مناخية”.

المراجع
1. Agence du Bassin Hydraulique du Sebou. (2021). Grands barrages du bassin du Sebou. Agence du Bassin Hydraulique du Sebou.
2. Agence du Bassin Hydraulique du Sebou. (2026). Étude d’opportunité d’utilisation du solaire flottant au droit des 12 grands barrages du bassin versant du Sebou. Programme prévisionnel des marchés 2026–2028. Agence du Bassin Hydraulique du Sebou.
3. Agence du Bassin Hydraulique du Sebou. (2026). وكالة الحوض المائي لسبو تدرس نشر ألواح شمسية عائمة لمواجهة التبخر في 12 سداً بحوض سبو. Publications de l’Agence du Bassin Hydraulique du Sebou.
4. Agence du Bassin Hydraulique du Sebou. (n.d.). Potentiel hydroélectrique du bassin du Sebou. Agence du Bassin Hydraulique du Sebou.
5. An interdisciplinary literature review of floating solar power plants. (2025). Renewable and Sustainable Energy Reviews, 209, 115094.
6. Benefits of pairing floating solar photovoltaics with hydropower reservoirs in Europe. (2023). Renewable and Sustainable Energy Reviews, 171, 112989.
7. Unlocking the potential of floating PV in water-stressed regions: A techno-economic analysis for the Hassan Addakhil Dam, Morocco. (2026). Scientific African, 33, e03497. https://doi.org/10.1016/j.sciaf.2026.e03497
8. Review of the potentials for implementation of floating solar panels on lakes and water reservoirs. (2023). Renewable and Sustainable Energy Reviews, 178, 113237.
9. Mouhaya, A., El Hammoumi, A., El Ghzizal, A., & Motahhir, S. (2025). Assessment of floating solar photovoltaic potential and water conservation in Morocco: Case studies of four hydroelectric dams. Cleaner Engineering and Technology, 26, 100952. https://doi.org/10.1016/j.clet.2025.100952
10. Mouhaya, A., El Hammoumi, A., El Ghzizal, A., & Motahhir, S. (2026). Evaluation of the impact of floating photovoltaic systems on reducing water evaporation and enhancing energy production at Al Wahda Dam in Morocco. Discover Sustainability, 7, 57. https://doi.org/10.1007/s43621-025-02419-8
11. Mouhaya, A., El Hammoumi, A., El Ghzizal, A., & Motahhir, S. (2026). Techno-economic feasibility analysis of floating photovoltaic systems on 58 Moroccan dams: Energy potential, economic viability, and water evaporation. npj Clean Energy, 2, 8. https://doi.org/10.1038/s44406-026-00025-9
12. Ministry of New and Renewable Energy, Government of India. (2025). Omkareshwar Floating Solar Park showcases scale and ambition of India’s clean energy goals. Government of India.
13. Ministry of Sustainability and the Environment, Singapore. (2026). Oral reply to parliamentary question on floating solar systems. Government of Singapore.
14. Public Utilities Board. (2021). Sembcorp Tengeh Floating Solar Farm. National Water Agency of Singapore.
15. Public Utilities Board. (2024). PUB calls tender for floating solar panel project at Pandan Reservoir. National Water Agency of Singapore.
16. Santos, C. S., et al. (2023). Energy production and water savings from floating solar photovoltaics on global reservoirs. Nature Sustainability.
17. Tanger Med Special Agency. (2024). Tanger Med lance un parc solaire flottant. Tanger Med.

(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

أسواق الكربون بين الفرص والانتقادات

هل يمكن للسوق أن يتحول إلى أداة فعالة لخفض الانبعاثات وتحقيق العدالة المناخية؟ شبكة بيئة …

اترك تعليقاً