“وجبة ….. إبداع وابتكار (108) “الموظف الدجاجة والموظف السمكة”

الضجيج قد يصنع حضوراً مؤقتاً، لكن الإنجاز الحقيقي وحده يصنع أثراً يبقى

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 2 اكتوبر 2025

حين يعلو ضجيج الإنجاز… ويغيب صوت الأثر
من التشبيهات الطريفة المتداولة أن الدجاجة حين تضع بيضتها، تعلن عنها بصوت مرتفع يلفت انتباه من حولها، بينما تضع كثير من الأسماك أعداداً كبيرة من البيوض في صمت، دون ضجيج يعلن عن إنتاجها.

وراء هذه المفارقة البسيطة معنى يتجاوز عالم الطبيعة إلى سلوك الإنسان؛ فهناك من يحيط إنجازاته المحدودة بكثير من الضجيج، وهناك من يصنع أثراً كبيراً دون أن يجعل من الإعلان عنه غايته، وليس المقصود أن كل من يتحدث عن إنجازاته قليل الإنتاج، أو أن كل من يعمل بصمت عظيم الإنجاز، وإنما التأمل في الفجوة بين حجم ما نعلنه عن أعمالنا وحجم القيمة التي نصنعها فعلياً.

وهنا أتناول هذا التشبيه في سياق السلوك الوظيفي وبيئة العمل، مستعيناً بنظريتي ماكجريجور (XوY) ، ونظرية هيرزبرج للعاملين، لفهم بعض جوانب الدافعية والسلوك الوظيفي، ودور الإدارة في تهيئة بيئة العمل وتقدير الإنجاز الحقيقي

تُعد بيئة العمل انعكاساً لطبيعة التفاعل بين سلوك الموظفين والثقافة المؤسسية وأساليب القيادة، فهي ليست مجرد منظومة إدارية تنظم المهام والمسؤوليات، بل بيئة تتشكل فيها الدوافع والاتجاهات وأنماط الأداء، وتتأثر بما تعززه المؤسسة من قيم وممارسات. وفي هذا السياق، لا تتحدد قيمة الموظف بما يعلنه عن إنجازاته أو بما يحيط عمله من حضور، وإنما بما يقدمه من نتائج فعلية، وما يضيفه من قيمة إلى المؤسسة. ومن هنا تكتسب المقارنة بين الموظف الدجاجة والموظف السمكة دلالتها الإدارية، بوصفها مدخلاً للتأمل في العلاقة بين السلوك الوظيفي والإنجاز الحقيقي.

يمثل الموظف الدجاجة صورة لأحد السلوكيات التي قد تظهر في بيئات العمل، فهو ينجز عملاً محدوداً يشبه البيضة الواحدة التي تضعها الدجاجة، لكنه يملأ المكان ضجيجاً وصياحاً ليقنع المحيطين به أن ما أنجزه حدث جلل يستحق التقدير والاحتفاء، وتكمن مشكلته في انشغاله بتضخيم صورة إنجازه أكثر من اهتمامه بتطوير قيمته الفعلية فيغطي صوته العالي على محدودية إنتاجيته. وقد يتجاوز هذا السلوك مجرد الرغبة في الظهور إلى تغليب المكاسب الشخصية الآنية على مصلحة المؤسسة، فيصبح التقدير والاهتمام غاية بحد ذاتهما، بصرف النظر عن القيمة الفعلية لما يقدمه. ومن هنا تكمن خطورة هذا النمط حين يتحول إلى سلوك متكرر يجد من يكافئه داخل المؤسسة، فيستهلك وقتها، ويشوّش معايير التقييم، ويسهم في تشكيل ثقافة ظاهرها الإنجاز وباطنها الوهم.

وفي المقابل يقف الموظف السمكة، وهو صورة للموظف الذي تسهم كفاءته ومسؤوليته في بناء المؤسسات القوية. يعمل هذا الموظف بعيداً عن الضجيج، ولا يجعل من التسويق لنفسه غاية تتقدم على جوهر العمل، بل يترك لنتائجه نصيباً أكبر من الحديث عنه. إنتاجيته عالية ومستدامة، تشبه في وفرتها الأعداد الكبيرة من البيوض التي تضعها كثير من الأسماك في صمت، فيصنع من خلال جودة عمله واستمرارية عطائه أثراً تراكمياً يعزز قوة المؤسسة واستقرارها. يمتلك هذا الموظف دافعاً داخلياً للعمل، ويتحمل المسؤولية، ويسعى إلى الإبداع، ويرى في نجاح المؤسسة جزءاً من نجاحه المهني. وهو بذلك يجسد صورة للولاء المؤسسي القائم على الانتماء للقيم والرؤية، لا على المصالح الآنية وحدها؛ ولاء يظهر في الالتزام والإتقان وتحمل المسؤولية، ويمنح عطاؤه قيمة تتجاوز حضوره الشخصي.

ويمكن قراءة هذا التباين السلوكي في ضوء بعض النظريات الإدارية التي تناولت طبيعة الإنسان ودوافعه في بيئة العمل، ومنها ما طرحه دوجلاس ماكجريجور من خلال نظريتي إكس (X) وواي (Y). فالأولى تعبّر عن افتراضات إدارية ترى أن الموظف يميل إلى تجنب العمل والمسؤولية، ويحتاج إلى الرقابة والتوجيه، بينما تنطلق الثانية من إمكانية تحمل الموظف للمسؤولية وممارسة الضبط الذاتي وتوظيف قدراته الإبداعية عندما تتوافر له الظروف المناسبة. ورغم أن النظريتين لا تصنفان الموظفين إلى نمطي الدجاجة والسمكة، فإنهما تساعدان على فهم أثر نظرة الإدارة إلى موظفيها في أساليب توجيههم وتقييم أدائهم. ويزداد هذا الفهم وضوحاً عند الاستعانة بنظرية فريدريك هيرزبرج للتحفيز، التي تميز بين عوامل بيئة العمل، مثل الأجر وظروف العمل والسياسات الإدارية، التي تحدّ من عدم الرضا، والعوامل المحفزة، مثل الإنجاز والتقدير وتحمل المسؤولية وفرص النمو، التي تعزز الرضا والدافعية نحو العمل. ومن هنا لا تكمن المسألة في ارتفاع صوت الموظف أو صمته، وإنما في طبيعة دوافعه، والقيمة التي يحققها، ومدى قدرة الإدارة على توفير بيئة تشجع الإنجاز الحقيقي وتمنحه التقدير المستحق.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في وجود هذين النمطين، بل في كيفية تعامل الإدارة معهما. فبعض المديرين ينساقون وراء صوت الموظف الدجاجة، فيصدقون ضجيجه ويكافئونه على مظهر الإنجاز لا على جوهره، وقد يمنحونه فرصاً أو مزايا استناداً إلى الانطباعات أكثر من النتائج الفعلية. وهنا تكمن خطورة مضاعفة، إذ يتحول الضجيج إلى معيار للتقدير، بينما قد يُظلم الموظف السمكة الذي يعمل بعيداً عن الأضواء ويحقق نتائج تستحق الاعتراف. أما المدير القدير، فهو الذي يجمع بين البصيرة القيادية والقدرة على التقييم الموضوعي، فلا ينخدع بالضوضاء، ولا يغفل عن الإنجاز الحقيقي مهما كان صاحبه قليل الظهور. والإدارة الواعية هي التي تضع أنظمة عادلة تقيس جودة الأداء ونتائجه وأثره، لا مجرد المظاهر والانطباعات، وتقدّر الالتزام والمسؤولية واستدامة العطاء، دون أن تجعل من مهارة التسويق الذاتي بديلاً عن الجدارة والاستحقاق.

إن استمرار مكافأة الضجيج على حساب الإنتاج قد يسهم في ترسيخ ثقافة تنظيمية تُعلي المظاهر على حساب الجدارة، فتضعف الثقة بعدالة التقدير، وتتراجع دافعية أصحاب الإنجازات الحقيقية، وينعكس ذلك على الأداء المؤسسي، وفي المقابل، فإن تقدير الإنجاز الحقيقي، بما فيه ما يقدمه الموظف السمكة بعيداً عن الأضواء، يعزز ثقافة العمل الجاد والمسؤولية، ويسهم في بناء بيئة مؤسسية تشجع الاستقرار والتحسين المستمر. فالفرق بين النمطين ليس مجرد اختلاف في الطباع الشخصية، بل في طبيعة السلوك وعمق الأثر؛ أحدهما يغطي صراخه على هشاشة عطائه، والآخر يثمر في صمت، فيضيف إلى المؤسسة قيمة تتراكم وتستمر.

إن قيمة العمل لا تُقاس بارتفاع الصوت ولا بمهارة صاحبه في تسويق إنجازاته، بل بجودة ما يحققه من نتائج، وما يتركه من أثر قابل للاستمرار. فالموظف الدجاجة يعيش على وهم الصوت حين يجعل من الضجيج بديلاً عن الإنجاز، بينما يثمر الموظف السمكة في صمت، مستنداً إلى كفاءته وإتقانه وشعوره بالمسؤولية. غير أن الفارق الحقيقي لا تصنعه طباع الموظفين وحدها، بل تصنعه أيضاً إدارة تدرك أن العدالة في تقدير الأداء لا تتحقق بمكافأة الأكثر ظهوراً، ولا بتفضيل الأكثر صمتاً، وإنما بالقدرة على التمييز بين ما يُقال عن الإنجاز وما يثبته الإنجاز نفسه. فالمؤسسات التي تجعل من الجدارة معياراً، ومن الأثر دليلاً، هي الأقدر على بناء ثقافة عمل تتطور وتستمر في مواجهة التحديات.

الكلمات المفتاحية:
الموظف الدجاجة، الموظف السمكة، نظرية إكس (X)، نظرية واي (Y)، نظرية هيرزبرج، التحفيز الوظيفي، الولاء المؤسسي، الانتاجية المستدامة، الادارة الفعالة، التقييم الوظيفي، بيئة العمل، السلوك الوظيفي، تميز مؤسسي، منظمات متعلمة، (EFQM)، قصص الهام، تجارب ابداعية. 

(*) د. أنيس رزوق:
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي واستشراف المستقبل.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (139) ” القيادة بالتجانس مقابل التميز بالتنوع المعرفي – 1 “

حين يصبح انسجام الفريق سبباً في ضيق الرؤية شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق …

اترك تعليقاً