عماد سعد:
• من كارثة طبيعية إلى فرصة تنموية: إعادة التفكير في إدارة فيضانات الفرات.
• كيف يمكن تحويل فيضان الفرات من كارثة موسمية إلى فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن المائي والغذائي والمناخي في سوريا.
• الاستثمار في الفيضانات كأداة للتكيف المناخي وبناء المرونة الوطنية.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي، 31 مايو 2026
في الوقت الذي تتعرض فيه قرى وأراضٍ زراعية على ضفاف نهر الفرات للغمر نتيجة ارتفاع منسوب المياه، تبرز تساؤلات مشروعة حول إمكانية الاستفادة من المياه الفائضة بدلاً من اعتبارها مجرد خطر طبيعي. فقد أثبتت العديد من التجارب الدولية أن الفيضانات يمكن أن تتحول إلى فرصة للتنمية إذا ما تم توظيفها ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
ومن بين الأفكار الجديرة بالدراسة في الحالة السورية إنشاء منظومة وطنية لاستثمار الفوائض المائية لنهر الفرات خلال مواسم الفيضان، عبر نقل جزء من هذه المياه إلى المناطق الصحراوية والمنخفضات الطبيعية في البادية السورية، بما يسهم في تخفيف مخاطر الفيضانات من جهة، وتعزيز الأمن المائي والتنمية الزراعية من جهة أخرى.
وتستند هذه الرؤية إلى تجارب عالمية ناجحة، حيث توجد عشرات التجارب العالمية التي انتقلت من مفهوم مقاومة الفيضانات إلى مفهوم التعايش معها واستثمارها. وفي حالة سوريا، يمكن الاستفادة من هذه التجارب لتطوير رؤية وطنية متكاملة لحوض الفرات والبادية السورية.
1.التجربة الهولندية: إعطاء النهر مساحة للحركة
بعد سلسلة من الفيضانات الخطيرة، أطلقت هولندا مشروعاً شهيراً عرف باسم “Room for the River”، حيث لم تكتف ببناء السدود، بل قامت بإعادة تأهيل السهول الفيضية وتخصيص مساحات تسمح للنهر بالتمدد عند ارتفاع المناسيب.
الدرس المستفاد لسوريا:
بدلاً من محاصرة الفرات بالكامل بالسواتر الترابية، يمكن تحديد مناطق فيضية آمنة ومدروسة مسبقاً لاستقبال المياه الزائدة بعيداً عن القرى والتجمعات السكانية، وتحويلها لاحقاً إلى مراعي موسمية أو أراضٍ زراعية تستفيد من الرواسب والطمي.
2.التجربة المصرية: توشكى واستثمار الفائض المائي
تم إنشاء مفيض توشكى لتصريف المياه الزائدة من بحيرة ناصر نحو منخفضات صحراوية، ثم تحولت المنطقة لاحقاً إلى مشروع تنموي وزراعي ضخم.
الدرس المستفاد لسوريا:
إجراء دراسة وطنية لإنشاء: بحيرة تدمر، أو بحيرات في البادية السورية، أو منخفضات تخزين موسمية. بحيث تصبح خزانات استراتيجية للمياه في سنوات الوفرة.
3.التجربة الصينية: المدن الإسفنجية
طورت الصين مفهوم المدن الإسفنجية التي تستوعب مياه الأمطار والفيضانات بدلاً من تصريفها مباشرة.
الدرس المستفاد لسوريا:
في الرقة ودير الزور والميادين والبوكمال يمكن إنشاء أحواض تجميع، حدائق رطبة، خزانات جوفية، أو مناطق خضراء تستوعب مياه الفيضان. بدلاً من ضياعها أو إحداث أضرار.
4.التجربة الأمريكية على نهر المسيسيبي
بعد فيضانات متكررة، أنشأت الولايات المتحدة مناطق تعرف باسم Floodways يتم فتحها عند الطوارئ لتوجيه المياه نحو أراضٍ مخصصة لذلك.
الدرس المستفاد لسوريا:
يمكن إنشاء مفيضات طوارئ. قنوات تحويل مؤقتة. أو مناطق تخزين موسمية على امتداد الفرات. وهذا أقل تكلفة من إعادة إعمار المناطق المنكوبة بعد كل فيضان.
5. التجربة الأسترالية: تغذية المياه الجوفية
في المناطق الجافة يتم توجيه مياه الفيضانات نحو أحواض خاصة لإعادة تغذية الخزانات الجوفية.
الدرس المستفاد لسوريا:
هذه من أهم الأفكار المناسبة للبادية السورية ضخ جزء من مياه الفيضان نحو أحواض تسريب. إعادة شحن المياه الجوفية. إنشاء مخزون استراتيجي للمستقبل. وهو ما تحتاجه سوريا بشدة بعد سنوات الجفاف الطويلة.
6. التجربة البنغلاديشية: الزراعة مع الفيضان
بدلاً من محاربة الفيضانات فقط، طور المزارعون أنظمة زراعية تستفيد من المياه الموسمية.
الدرس المستفاد لسوريا:
يمكن تطوير زراعات موسمية في السهول الفيضية. محاصيل تتحمل الغمر المؤقت. استثمار الطمي الطبيعي الذي يجلبه الفرات. مما يخفض الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية.
7.مشروع الحزام الأخضر للفرات
يمكن استثمار جزء من مياه الفيضانات في إنشاء حزام أخضر يمتد على طول ضفتي الفرات لمسافة مئات الكيلومترات.
يشمل زراعة الأشجار المحلية، استعادة الغابات النهرية، حماية التربة من التعرية، تثبيت الكثبان الرملية. وإنشاء موائل للتنوع الحيوي.
النتائج المتوقعة: خفض التصحر. تحسين المناخ المحلي. امتصاص الكربون. توفير فرص عمل. وتعزيز السياحة البيئية.
8. فكرة استراتيجية أكبر
أرى أن المشروع الأكثر طموحاً والأكثر ملاءمة لسوريا ليس “بحيرة تدمر” وحدها، بل مشروع وطني يمكن أن يحمل اسم:
“مبادرة الفرات للتنمية المناخية المستدامة” ويقوم على أربعة محاور مترابطة:
1. إدارة الفيضانات وتحويلها إلى مورد اقتصادي.
2. إعادة إحياء البادية السورية بالمياه المخزنة.
3. إعادة تغذية المياه الجوفية.
4. إنشاء مناطق تنمية خضراء جديدة حول مواقع التخزين.
وبذلك يتحول الفرات من نهر يُنظر إليه عند الفيضان كتهديد مؤقت، إلى محرك استراتيجي للتنمية المستدامة والتكيف المناخي والأمن الغذائي في سوريا خلال العقود القادمة، على غرار قصص النجاح التي شهدتها هولندا ومصر والصين وأستراليا والولايات المتحدة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز