السياحة في زمن موجات الحر

كيف نحمي الإنسان والبيئة في صيف يزداد سخونة؟

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد (*)، خبير الاستدامة والتغير المناخي، 08 يوليو 2026
لم يعد الصيف كما عرفناه قبل عقدين أو ثلاثة عقود. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت موجات الحر الشديدة إحدى أبرز السمات المرتبطة بالتغير المناخي، حتى باتت تتصدر نشرات الأخبار في مختلف أنحاء العالم، من أوروبا إلى آسيا، ومن أمريكا الشمالية إلى الشرق الأوسط. ولم تعد درجات الحرارة القياسية مجرد أرقام تُسجل في محطات الأرصاد الجوية، بل تحولت إلى تحدٍ حقيقي يمس حياة ملايين البشر، ويؤثر بصورة مباشرة في الصحة العامة، والاقتصاد، والأنشطة اليومية، وفي مقدمتها قطاع السياحة.

يشهد العالم اليوم مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي يزداد فيه الإقبال على السفر خلال فصل الصيف، تزداد أيضاً المخاطر المرتبطة بالتعرض لدرجات الحرارة المرتفعة، وهو ما يفرض على السائح أن يكون أكثر وعياً واستعداداً من أي وقت مضى. فالسياحة في عصر التغير المناخي لم تعد تعني اختيار الوجهة المناسبة فحسب، وإنما أصبحت تتطلب فهماً للظروف البيئية والمناخية، وقدرة على التكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة، حفاظاً على الصحة والسلامة.

لقد سجلت عدة دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة درجات حرارة تجاوزت الأربعين درجة مئوية، وهي مستويات لم تكن مألوفة في كثير من هذه المناطق. وتشير الدراسات العلمية إلى أن موجات الحر أصبحت أكثر تكراراً، وأطول زمناً، وأكثر شدة نتيجة ارتفاع متوسط درجات حرارة الأرض. ومع استمرار هذا الاتجاه، يتوقع العلماء أن تصبح موجات الحر جزءاً دائماً من الواقع المناخي، مما يستدعي تغييراً في سلوك الأفراد، وأساليب إدارة المدن، وحتى في مفهوم السياحة نفسه.

وتعد الحرارة المرتفعة من أكثر الأخطار البيئية تأثيراً على صحة الإنسان، إذ تؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من السوائل والأملاح، وقد تتسبب في الإجهاد الحراري أو ضربة الشمس، وهي حالات قد تكون مهددة للحياة إذا لم يتم التعامل معها بسرعة. وتزداد خطورة هذه التأثيرات لدى الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل والأشخاص المصابين بأمراض القلب والجهاز التنفسي والسكري، إلا أن ذلك لا يعني أن الشباب بمنأى عن الخطر، فالتعرض المباشر للشمس لفترات طويلة أو ممارسة أنشطة بدنية مرهقة في أوقات الذروة قد يؤدي أيضاً إلى مضاعفات صحية خطيرة.

ومن هنا، فإن أولى قواعد السياحة الآمنة خلال الصيف تتمثل في احترام الطبيعة وعدم تحديها. فاختيار أوقات التنقل وزيارة المواقع السياحية ينبغي أن يراعي ظروف الطقس، بحيث تُخصص ساعات الصباح الباكر أو ما بعد غروب الشمس للأنشطة الخارجية، بينما تُستثمر ساعات الظهيرة في زيارة المتاحف أو المراكز الثقافية أو الأماكن المكيفة. إن تغييراً بسيطاً في برنامج الرحلة قد يجنب السائح كثيراً من المخاطر الصحية.

ولا تقل أهمية الترطيب المستمر للجسم عن أهمية التخطيط الجيد للرحلة. فالإحساس بالعطش ليس دائماً مؤشراً كافياً على حاجة الجسم إلى الماء، ولذلك ينصح بشرب كميات كافية من المياه بصورة منتظمة، مع تجنب الإفراط في المشروبات الغازية أو الغنية بالكافيين والكحول، لأنها قد تزيد من فقدان السوائل. كما تسهم الأغذية الغنية بالماء، مثل البطيخ والشمام والخيار والبرتقال، في المحافظة على توازن السوائل داخل الجسم.

وتلعب الملابس المناسبة دوراً أساسياً في الوقاية من الإجهاد الحراري. فالملابس القطنية أو الكتانية الخفيفة ذات الألوان الفاتحة تساعد على تقليل امتصاص الحرارة، كما أن ارتداء القبعات الواسعة والنظارات الشمسية واستخدام الكريمات الواقية من أشعة الشمس يحد من تأثير الأشعة فوق البنفسجية التي أصبحت أكثر شدة في كثير من مناطق العالم.

لكن السياحة المسؤولة لا تقتصر على حماية الإنسان فحسب، بل تشمل أيضاً حماية البيئة التي يقصدها السائح. فالتغير المناخي الذي يفاقم موجات الحر هو في جانب منه نتيجة للأنشطة البشرية، ولا سيما الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالنقل والطاقة والاستهلاك غير المستدام. ولذلك أصبح من الضروري أن يتحول السائح من مجرد مستهلك للخدمات إلى شريك في حماية البيئة.

ويبدأ ذلك باختيار وسائل نقل أقل انبعاثاً للكربون كلما أمكن، مثل القطارات أو وسائل النقل العام، أو المشي وركوب الدراجات في المدن السياحية. كما أن استخدام زجاجات المياه القابلة لإعادة التعبئة، والحد من البلاستيك أحادي الاستخدام، والحرص على عدم ترك المخلفات في الشواطئ أو المتنزهات أو المحميات الطبيعية، كلها ممارسات بسيطة لكنها تعكس وعياً بيئياً ومسؤولية مجتمعية.

ومن الجوانب التي كثيراً ما يغفل عنها المسافرون أهمية متابعة النشرات الجوية والتحذيرات الرسمية قبل وأثناء الرحلة. فمع تطور أنظمة الإنذار المبكر أصبحت معظم الدول توفر تطبيقات ذكية وتنبيهات فورية عن موجات الحر أو العواصف أو الحرائق أو غيرها من الظواهر الجوية المتطرفة. والاطلاع على هذه المعلومات يمكن أن يساعد السائح على تعديل خططه في الوقت المناسب، وتجنب التعرض لمخاطر غير ضرورية.

وفي المقابل، يقع على عاتق الوجهات السياحية نفسها مسؤولية كبيرة في التكيف مع موجات الحر. فتصميم المدن والحدائق، وزيادة المساحات الخضراء، وتوفير الظلال الطبيعية، وإنشاء نوافير مياه الشرب، وتوسيع استخدام مواد البناء العاكسة للحرارة، كلها إجراءات أصبحت جزءاً من مفهوم “المدن القادرة على التكيف مع المناخ”. كما أن الفنادق والمنتجعات مطالبة بتبني ممارسات الاستدامة التي تقلل استهلاك الطاقة والمياه، وتوفر بيئة صحية وآمنة للنزلاء.

لقد أظهرت التجارب أن الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة، مثل زراعة الأشجار وتوسيع المساحات الخضراء، لا يحسن المشهد الحضري فحسب، بل يسهم أيضاً في خفض درجات الحرارة المحلية وتحسين جودة الهواء وتقليل استهلاك الطاقة اللازمة للتبريد. وهذا يؤكد أن مواجهة موجات الحر ليست مسؤولية الحكومات وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع والأفراد.

ومع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأت تطبيقات جديدة تظهر لمساعدة السياح على التكيف مع الظروف المناخية. فهناك تطبيقات قادرة على تحليل بيانات الطقس لحظة بلحظة، واقتراح أفضل أوقات التنقل، وتحذير المستخدم من ارتفاع درجات الحرارة أو مؤشر الأشعة فوق البنفسجية، بل وتقديم توصيات شخصية وفق العمر والحالة الصحية ومستوى النشاط البدني. كما تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الحشود داخل المواقع السياحية، بما يقلل الازدحام ويحد من التعرض للحرارة في الأماكن المفتوحة.

إن السياحة في عصر التغير المناخي تحتاج أيضاً إلى إعادة تعريف مفهوم “الموسم السياحي”. فقد تصبح بعض الوجهات أكثر جاذبية في الربيع والخريف مقارنة بالصيف، بينما ستبرز وجهات جديدة تتمتع بمناخ أكثر اعتدالاً. وهذا التحول يفرض على شركات السياحة والفنادق والجهات الحكومية إعادة النظر في خططها واستراتيجياتها التسويقية بما يتناسب مع الواقع المناخي الجديد.

ولا ينبغي النظر إلى موجات الحر بوصفها أزمة مؤقتة، بل باعتبارها مؤشراً على مرحلة جديدة تتطلب تغييراً في أنماط التفكير والسلوك. فالتكيف مع المناخ لم يعد خياراً، وإنما أصبح ضرورة لحماية الأرواح والاقتصادات والأنظمة البيئية. وكل سائح واعٍ يلتزم بالإرشادات الصحية ويحترم البيئة ويسهم في تقليل بصمته الكربونية، يشارك بصورة مباشرة في بناء مستقبل أكثر استدامة.

وفي الختام، يمكن القول إن السياحة ستظل واحدة من أجمل وسائل التعرف إلى ثقافات العالم وطبيعته، لكن نجاحها في المستقبل سيعتمد على قدرتها على التكيف مع تحديات المناخ. إن الاستعداد الجيد، والوعي الصحي، واحترام البيئة، والاستخدام المسؤول للموارد، ليست مجرد نصائح للسفر، بل أصبحت ركائز أساسية للسياحة المستدامة في القرن الحادي والعشرين. وفي عالم يزداد حرارة عاماً بعد عام، يبقى الإنسان القادر على التكيف، والواعي بمسؤوليته تجاه نفسه وتجاه البيئة، هو الأكثر قدرة على الاستمتاع بجمال العالم دون أن يدفع ثمناً صحياً أو بيئياً باهظاً.

(*) المهندس عماد سعد:
استشاري أول في إدارة المشاريع البيئية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي. خبير دولي ومحاضر معتمد في التنمية المستدامة، والمسؤولية المجتمعية، والإعلام البيئي. رئيس شبكة بيئة أبوظبي | مدير عام شركة نايا للاستشارات بالإمارات. (00971506979645)abudhabienv@gmail.com

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

دليل حساب البصمة الكربونية للمنتجات للشركات الصغيرة والمتوسطة (02 – 02)

بالتعاون مع (PACT) الشراكة من أجل شفافية الكربون شبكة بيئة ابوظبين بقلم المهندس عماد سعد …

اترك تعليقاً