كيف يعيد (CBAM) رسم خريطة الصناعة والتصدير في العالم العربي؟
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندسة بسمة السيد، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، 21 أغسطس 2026
لم تعد المنافسة في التجارة الدولية تدور فقط حول من يستطيع إنتاج السلعة بجودة أعلى أو تكلفة أقل. فمع التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون، ظهر متغير جديد يعيد تشكيل قواعد المنافسة: كمية الانبعاثات الكربونية المرتبطة بإنتاج السلعة.
وهذا التحول لم يعد فكرة مستقبلية. فقد بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل في إدخال الكربون إلى معادلة التجارة من خلال آلية تعديل الكربون على الحدود Carbon Border Adjustment Mechanism أو CBAM، التي دخلت مرحلتها النهائية في الأول من يناير 2026. وتطبق الآلية حاليًا على عدد من السلع كثيفة الانبعاثات، من بينها الحديد والصلب والألومنيوم والأسمنت والأسمدة والكهرباء والهيدروجين. كما أصبح المستوردون الذين تتجاوز وارداتهم السنوية من سلع CBAM حد 50 طنًا خاضعين لقواعد النظام النهائي وإجراءات شهادات CBAM.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للعالم العربي: أوروبا ليست مجرد سوق تجارية قريبة، وإنما واحدة من أهم الأسواق الخارجية لعدد كبير من الاقتصادات العربية، وفي الوقت نفسه تمتلك المنطقة قاعدة صناعية كبيرة في القطاعات التي تقع في قلب CBAM.
ومن ثم فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت CBAM ستؤثر في المنطقة العربية، وإنما كيف ستؤثر، ومن سيكون الأكثر تعرضًا لها، ومن يستطيع تحويلها من تكلفة إضافية إلى فرصة اقتصادية.
من ضريبة على الحدود إلى إعادة تعريف للمنتج
من الخطأ اختصار CBAM في عبارة “ضريبة كربون أوروبية”. فالفكرة أكثر تعقيدًا.
المنتج الذي يصل إلى السوق الأوروبية لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره طنًا من الحديد أو الألومنيوم أو الأسمنت أو الأسمدة، وإنما باعتباره منتجًا يحمل معه كمية معينة من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن إنتاجه. وهكذا يصبح للمنتج سعران غير معلنين بشكل مباشر: السعر الاقتصادي. والسعر الكربوني.
قد ينتج مصنعان طنًا من المنتج نفسه وبالجودة نفسها، لكن المصنع الأول يستخدم كهرباء كثيفة الكربون وعمليات إنتاج مرتفعة الانبعاثات، بينما يستخدم المصنع الثاني طاقة متجددة وتقنيات أكثر كفاءة. في السوق التقليدية قد يكون المصنع الأول أكثر قدرة على المنافسة إذا كانت تكلفته المباشرة أقل. أما في اقتصاد الكربون، فقد يصبح المصنع الثاني أكثر قدرة على الوصول إلى السوق الأوروبية لأن البصمة الكربونية أصبحت جزءًا من تكلفة المنتج.
وهنا يحدث التحول الحقيقي:
لم تعد الكفاءة تعني فقط إنتاج المزيد باستخدام موارد أقل.
بل أصبحت تعني أيضًا إنتاج قيمة اقتصادية أكبر باستخدام كمية أقل من الكربون.
لماذا تمثل CBAM قضية مهمة للعالم العربي؟
تأتي أهمية CBAM بالنسبة للدول العربية من التقاء عاملين.
الأول هو القرب التجاري والجغرافي من أوروبا.
والثاني هو هيكل الإنتاج العربي الذي يعتمد في عدد من الدول على صناعات كثيفة الطاقة والانبعاثات.
فالحديد والصلب والأسمدة والألومنيوم والأسمنت ليست صناعات هامشية في المنطقة، بل تمثل قطاعات مهمة في اقتصادات عربية مختلفة.
وتظهر تحليلات البنك الدولي أن التعرض لـCBAM لا يعتمد فقط على قيمة الصادرات، وإنما يرتبط أيضًا بكثافة الانبعاثات في المنتجات المصدرة. وقد طور البنك الدولي مؤشرات لقياس تعرض الدول للآلية من خلال الجمع بين الانبعاثات المجسدة في المنتجات وحجم التعرض التجاري للسوق الأوروبية.
أما صندوق النقد الدولي فقد قدر في دراسة إقليمية أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان قد تتحمل عبئًا سنويًا يقارب 1.7 مليار دولار نتيجة CBAM، بما يعادل نحو 14% من قيمة صادرات السلع الخاضعة للآلية إلى الاتحاد الأوروبي في تقديرات الدراسة. ويعود ارتفاع العبء الإقليمي بصورة خاصة إلى قوة العلاقات التجارية مع أوروبا وارتفاع كثافة الانبعاثات في عدد من القطاعات.
لكن هذا الرقم لا يعني أن كل دولة عربية ستتحمل التكلفة نفسها.
وهنا تبدأ الصورة الأكثر إثارة للاهتمام.
الدول العربية لا تواجه CBAM بالطريقة نفسها
قد تنتج دولتان السلعة نفسها، لكن تعرضهما للآلية قد يكون مختلفًا تمامًا. إذا كانت الدولة الأولى تصدر معظم إنتاجها إلى أوروبا، بينما توجه الدولة الثانية صادراتها إلى أسواق أخرى، فإن تأثير CBAM سيكون مختلفًا. وإذا كانت مصانع الدولة الأولى تعتمد على الطاقة المتجددة، بينما تعتمد مصانع الدولة الثانية على الكهرباء ذات الكثافة الكربونية المرتفعة، فإن التأثير سيكون مختلفًا مرة أخرى.
ولهذا فإن مستقبل الصادرات العربية لا يتحدد فقط بكمية ما تنتجه الدول، وإنما أيضًا بمصدر الطاقة المستخدمة في إنتاجه وبقدرتها على إثبات البصمة الكربونية للمنتج. وهذا يخلق خريطة جديدة للتنافس العربي.
مصر: من التعرض المرتفع إلى فرصة التحول الصناعي
تعتبر مصر من أكثر الحالات أهمية عند دراسة CBAM عربيًا. فالدراسة التي أعدها صندوق النقد حول مصر تشير إلى أن الآلية سيكون لها أثر محدود على الناتج المحلي الإجمالي، لكنها قد تؤدي إلى تأثيرات قطاعية ملحوظة، مع انخفاض متوقع في إنتاج وصادرات الصناعات كثيفة الطاقة بنحو 7% في السيناريو الذي درسته.
كما تشير تحليلات أخرى إلى ارتفاع مستوى تعرض مصر لمخاطر CBAM مقارنة بعدد من دول المنطقة، نتيجة اجتماع كثافة الكربون مع وجود صادرات من المنتجات المشمولة بالآلية. وتكمن خصوصية الحالة المصرية في أن التحدي يأتي في القطاعات نفسها التي تمتلك فيها مصر قاعدة صناعية قوية، وعلى رأسها الحديد والصلب والأسمدة والألومنيوم والأسمنت.
لكن مصر تمتلك في المقابل مجموعة من المقومات التي يمكن استخدامها لعكس المعادلة:
إمكانات كبيرة للطاقة الشمسية والرياح.
قاعدة صناعية واسعة.
موانئ ومناطق صناعية.
قناة السويس وموقع استراتيجي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
إمكانات للهيدروجين الأخضر.
وسوق محلية كبيرة يمكن أن تستوعب جزءًا من التحول الصناعي.
ولهذا فإن مصر لا ينبغي أن تتعامل مع CBAM فقط باعتبارها تكلفة على الصادرات، وإنما باعتبارها حافزًا لتحديث الصناعة.
وقد بدأت مصر بالفعل في بناء قدرات مؤسسية مرتبطة بتتبع الانبعاثات، كما أشار صندوق النقد في 2026 إلى أن نشر أول تقرير شفافية وطني ثنائي لمصر في أواخر 2025 عزز الأساس المؤسسي لتتبع الانبعاثات وتنفيذ الالتزامات المناخية والاستعداد لأسواق الكربون.
المغرب: عندما تتحول الطاقة المتجددة إلى ميزة تصديرية
المغرب يقدم نموذجًا مختلفًا. فهو يمتلك موارد كبيرة من الطاقة الشمسية والرياح، إلى جانب قاعدة صناعية قوية في الفوسفات والأسمدة، وموقع قريب جدًا من السوق الأوروبية. وهذا يجعل التحول نحو الأسمدة منخفضة الكربون فرصة اقتصادية حقيقية.
فالأسمدة التقليدية تعتمد بصورة كبيرة على عمليات إنتاج كثيفة الطاقة والانبعاثات، بينما يمكن للهيدروجين الأخضر أن يدخل في إنتاج الأمونيا، والتي تمثل عنصرًا رئيسيًا في صناعة الأسمدة.
وبالتالي يمكن أن تتحول الطاقة الشمسية والرياح من مجرد مصادر للكهرباء إلى مدخل أساسي في صناعة تصديرية ذات قيمة مضافة عالية. وقد أشار البنك الدولي في 2026 إلى أن المغرب يتعامل مع التحول المناخي باعتباره قضية مرتبطة بالحفاظ على القدرة التنافسية والوصول إلى السوق الأوروبية في ظل CBAM، وهو ما دفع إلى تطوير ترتيبات مؤسسية أكثر تكاملًا للسياسة المناخية والتمويل الأخضر.
الجزائر: تحدي التنويع الصناعي
الجزائر تمثل حالة أخرى مهمة.
فهي تمتلك موارد ضخمة من الغاز الطبيعي، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تنويع اقتصادها وزيادة صادراتها غير الهيدروكربونية.
لكن القطاعات التي يمكن أن تدعم هذا التنويع، مثل الأسمدة والحديد والصلب والأسمنت، هي نفسها من القطاعات التي تتأثر بدرجات مختلفة بالتحول الكربوني الأوروبي.
وقد أشار صندوق النقد إلى أن CBAM قد تؤثر في تنافسية الصادرات الجزائرية غير الهيدروكربونية، خاصة أن استراتيجية التنويع تعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات كثيفة الطاقة مثل الأسمدة والحديد والصلب والأسمنت.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات البنك الدولي أن صادرات الجزائر غير الهيدروكربونية تضاعفت عدة مرات منذ عام 2017، وهو ما يجعل رفع الجودة الكربونية لهذه الصادرات جزءًا مهمًا من المرحلة التالية من استراتيجية التنويع.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: التحول إلى التصدير الصناعي قد لا يكون كافيًا وحده. المطلوب هو التصدير الصناعي منخفض الكربون.
دول الخليج: إعادة تعريف ميزة الطاقة
تمتلك السعودية والإمارات وقطر وعُمان والبحرين مزايا صناعية واستثمارية كبيرة، إلى جانب خبرات واسعة في الطاقة والبتروكيماويات والمعادن.
لكن الاقتصاد منخفض الكربون يعيد تعريف معنى “ميزة الطاقة”.
في الاقتصاد التقليدي كانت الدولة الأكثر تنافسية هي التي تستطيع توفير الطاقة بكميات كبيرة وبسعر منخفض.
أما في الاقتصاد منخفض الكربون، فقد تصبح الدولة الأكثر تنافسية هي التي تستطيع توفير الطاقة بكميات كبيرة وبسعر مناسب وبأقل انبعاثات ممكنة.
وهنا تمتلك دول الخليج فرصة استثنائية. فالطاقة الشمسية واسعة النطاق يمكن أن تتحول إلى كهرباء منخفضة الكربون، والكهرباء يمكن أن تستخدم لإنتاج الهيدروجين، والهيدروجين يمكن أن يتحول إلى أمونيا أو يدخل في إنتاج الحديد منخفض الكربون. وبذلك يمكن أن تنتقل المنطقة من تصدير الطاقة نفسها إلى تصدير منتجات صناعية تحمل في داخلها طاقة نظيفة.
وهذا فرق اقتصادي هائل.
أبوظبي والإمارات: من الطموح إلى المشروعات التشغيلية
إذا كانت دول الخليج تمتلك، كما أشرنا، فرصة إعادة تعريف “ميزة الطاقة”، فإن أبوظبي تقدم اليوم النموذج الأكثر تقدمًا في تحويل هذه الفرصة إلى مشروعات فعلية على الأرض. فالإمارة لا تكتفي بالحديث عن الهيدروجين الأخضر كطموح مستقبلي، بل بدأت بالفعل في تنفيذ مشروعات صناعية ملموسة تربط الطاقة النظيفة بالصناعات الثقيلة.
من أبرز هذه المشروعات الشراكة بين شركة “مصدر” ومجموعة “حديد الإمارات أركان” لتطوير ما وُصف بأنه أول مشروع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لإنتاج الحديد بالاعتماد على الهيدروجين الأخضر، بهدف خفض الانبعاثات الكربونية في أحد أكثر القطاعات الصناعية كثافة في استهلاك الطاقة.
وفي مجمع الرويس الصناعي، تمضي مشروعات إنتاج الأمونيا منخفضة الكربون قدمًا، بالاعتماد على تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، وبشراكة مع لاعبين عالميين مثل “فرتيغلوب” و”ميتسوي” و”جي إس إنرجي”، مع استهداف بدء التشغيل الفعلي خلال عام 2026.
وتشير تقديرات غرفة تجارة وصناعة أبوظبي إلى أن الإمارة تستهدف الوصول إلى إنتاج 1.4 مليون طن سنويًا من الهيدروجين منخفض الكربون بحلول عام 2031، في إطار تحول عالمي أوسع من تصدير الهيدروجين النقي إلى تصدير مشتقات أعلى قيمة مضافة، مثل الأمونيا الخضراء والميثانول والوقود الاصطناعي ووقود الطيران المستدام. بل إن أبوظبي تطمح إلى أن تصبح صاحبة أدنى تكلفة عالمية لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء بحلول عام 2030.
ويجمع هذا النموذج بين ثلاثة عناصر تحدثنا عنها سابقًا في مواضع متفرقة من هذا المقال: الطاقة المتجددة كمدخل، والهيدروجين كحلقة وصل، والصناعة الثقيلة كمخرج نهائي قابل للتصدير.
كما توفر فعاليات مثل القمة العالمية لطاقة المستقبل، التي تُقام سنويًا في أبوظبي ضمن مظلة أسبوع أبوظبي للاستدامة وتستضيفها “مصدر”، منصة تجمع سنويًا عشرات المشروعات والشركات الناشئة العاملة في هذا المجال، وهو ما يعزز موقع الإمارة كمركز إقليمي لتمويل وتسريع هذا النوع من المشروعات.
أما في قطاع الألومنيوم، فتمتلك الإمارات، إلى جانب البحرين، خبرة صناعية كبيرة، إذ يُعد الألومنيوم من أكثر المعادن ارتباطًا بالطاقة، وبالتالي فإن مصدر الكهرباء المستخدمة في إنتاجه يمثل عنصرًا مهمًا في البصمة الكربونية للمنتج.
وتكمن الفرصة في الانتقال تدريجيًا من مجرد إنتاج الألومنيوم إلى إنتاج “ألومنيوم منخفض الكربون” يمكن إثبات بصمته الكربونية للمشترين الأوروبيين.
وبالتالي لا تصبح الطاقة المتجددة مجرد مشروع منفصل عن الصناعة، بل تصبح جزءًا من القيمة السوقية للمنتج الصناعي — وهو بالضبط ما تحاول أبوظبي إثباته اليوم عبر مشروعاتها التشغيلية، لا عبر الطموحات وحدها.
عُمان والحديد الأخضر
تعد سلطنة عُمان من الحالات الواعدة في هذا الاتجاه بسبب اجتماع موارد الطاقة المتجددة مع الموقع البحري والبنية اللوجستية والطموحات المتعلقة بالهيدروجين. ومن أكثر الفرص استراتيجية إنتاج الحديد منخفض الكربون.
فبدل استخدام الغاز أو الفحم في العمليات التقليدية، يمكن استخدام الهيدروجين منخفض الكربون في إنتاج الحديد المختزل، ثم تحويله إلى صلب منخفض الانبعاثات. وهذا النوع من المنتجات قد يصبح مهمًا جدًا في السوق الأوروبية مع توسع الطلب على المواد الصناعية منخفضة الكربون.
قطر والصناعات الكيميائية
تمتلك قطر قاعدة قوية في الغاز والصناعات الكيميائية والأسمدة. والتحول العالمي لا يعني بالضرورة التخلي عن جميع تقنيات الإنتاج الحالية، وإنما يعني خفض الانبعاثات المرتبطة بها. وهنا تظهر تقنيات مثل احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب تطوير الهيدروجين منخفض الكربون والأمونيا منخفضة الانبعاثات.
وبذلك يمكن أن تنتقل الصناعات الكيميائية تدريجيًا من نموذج كثيف الكربون إلى نموذج أكثر كفاءة.
الأردن وتونس ولبنان: الطاقة كجزء من القدرة التنافسية
في دول مثل الأردن وتونس ولبنان، تظهر قضية الطاقة بصورة مختلفة. فارتفاع تكلفة الطاقة أو ارتفاع كثافة الكربون في الكهرباء يمكن أن يؤثر في تنافسية الصناعات التي تستخدم الكهرباء بصورة مكثفة.
وهنا تصبح الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة ليستا فقط أدوات لخفض الانبعاثات، وإنما أدوات لخفض تكلفة الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية. وهذه نقطة مهمة لأن التحول الأخضر لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تكلفة إضافية دائمًا. في كثير من الحالات يمكن أن يكون أيضًا وسيلة لخفض تكلفة الطاقة وتحسين الإنتاجية.
لماذا يمثل الحديد والأسمدة والألومنيوم والأسمنت قلب المعركة؟
لأن هذه المنتجات تقف عند تقاطع ثلاثة اتجاهات عالمية:
ارتفاع الطلب عليها.
ارتفاع كثافة الانبعاثات المرتبطة بإنتاجها.
وزيادة الضغوط التنظيمية لتقليل الانبعاثات.
ولهذا فإن الدول العربية التي تمتلك هذه الصناعات أمام خيارين.
إما الاستمرار في إنتاج المنتج بالطريقة التقليدية وتحمل ارتفاع التكلفة الكربونية.
أو إعادة بناء سلسلة الإنتاج بحيث يصبح المنتج نفسه منخفض الكربون.
والخيار الثاني هو الأكثر أهمية على المدى الطويل.
الهيدروجين الأخضر قد يكون الحلقة التي تربط الطاقة بالصناعة
من أكثر الأفكار أهمية في مستقبل الصناعة العربية أن الهيدروجين الأخضر لا يجب أن يُنظر إليه فقط كسلعة جديدة للتصدير.
قيمته الأكبر قد تكون في استخدامه داخل الصناعات القائمة.
فالطاقة الشمسية والرياح يمكن أن تنتج الكهرباء.
الكهرباء يمكن أن تنتج الهيدروجين.
الهيدروجين يمكن أن يدخل في إنتاج الأمونيا.
الأمونيا يمكن أن تستخدم في صناعة الأسمدة.
الهيدروجين يمكن أن يستخدم في إنتاج الحديد المختزل.
والحديد منخفض الكربون يمكن أن يتحول إلى منتج صناعي تصديري.
وهكذا تتحول الطاقة المتجددة من قطاع مستقل إلى أساس لسلسلة صناعية كاملة.
المشكلة التي قد تكون أخطر من تكلفة الكربون
هناك جانب من CBAM قد يكون أقل وضوحًا من التكلفة المالية نفسها. وهو البيانات.
فقد يكون المصنع قد خفض بالفعل انبعاثاته، لكنه قد لا يستطيع إثبات ذلك بصورة مقبولة.
وهنا تظهر أهمية أنظمة القياس والإبلاغ والتحقق MRV.
فالاتحاد الأوروبي لا يتعامل مع البصمة الكربونية باعتبارها شعارًا تسويقيًا، وإنما باعتبارها بيانات يجب حسابها والإبلاغ عنها والتحقق منها وفق القواعد والمنهجيات المعمول بها. وقد خصص الاتحاد الأوروبي إطارًا للتحقق من بيانات الانبعاثات واعتماد جهات التحقق ضمن نظام CBAM.
وهذا يعني أن المصنع العربي الذي لا يمتلك نظامًا جيدًا للبيانات الكربونية قد يخسر جزءًا من ميزته حتى لو كان إنتاجه فعليًا أقل انبعاثًا من منافسين آخرين.
ومن هنا تظهر فكرة جديدة: البيانات الكربونية أصبحت أصلًا من أصول التجارة.
من “المنتج الأخضر” إلى “المنتج القابل للإثبات”
في المرحلة القادمة لن يكون كافيًا أن تضع الشركة على منتجها عبارة Low Carbon.
بل ستحتاج إلى أن تثبت: كيف تم إنتاجه؟ بأي طاقة؟ كم كانت كمية الانبعاثات؟ ما كمية الانبعاثات لكل طن؟ من قام بالتحقق؟ وهذا يقود إلى مفهوم يمكن أن يصبح مهمًا جدًا في التجارة المستقبلية:
Carbon Traceability
أي قابلية تتبع البصمة الكربونية للمنتج عبر سلسلة الإنتاج.
ويمكن أن يبدأ التتبع من مصدر الطاقة وينتهي عند المنتج النهائي الذي يدخل السوق الأوروبية.
وهنا تبدأ الفرصة العربية الحقيقية
بدل أن تتعامل كل دولة عربية مع CBAM منفردة، يمكن النظر إلى المنطقة باعتبارها منظومة اقتصادية متكاملة.
فالدول العربية لا تمتلك الموارد نفسها.
بعضها يمتلك الشمس والرياح.
بعضها يمتلك الغاز والبنية التحتية.
بعضها يمتلك الصناعات الثقيلة.
بعضها يمتلك الموانئ.
بعضها يمتلك رأس المال.
وبعضها يمتلك مراكز بحثية وجامعات وخبرات هندسية.
ولو تم ربط هذه العناصر معًا، يمكن إنشاء سلسلة قيمة عربية منخفضة الكربون.
وهنا تأتي الفكرة التي تقترحها هذه الدراسة.
نحو “الممر العربي للصناعة والتصدير منخفض الكربون”
يمكن تطوير مبادرة عربية جديدة تحت مسمى:
Arab Low-Carbon Industrial and Export Corridor
الممر العربي للصناعة والتصدير منخفض الكربون.
ولا يقصد بالممر إنشاء طريق بري أو بحري جديد.
بل إنشاء منظومة اقتصادية رقمية وصناعية وتمويلية تربط بين مصادر الطاقة النظيفة والصناعات العربية والأسواق الأوروبية.
فيمكن أن تنتج دولة الطاقة المتجددة والهيدروجين.
وتستخدم دولة أخرى هذا الهيدروجين في صناعة الحديد أو الأمونيا.
وتوفر دولة ثالثة الميناء والبنية اللوجستية.
وتوفر دولة رابعة التكنولوجيا أو خدمات القياس والتحقق.
ثم يخرج المنتج النهائي إلى السوق الأوروبية باعتباره منتجًا عربيًا منخفض الكربون وقابلًا للتتبع.
بهذا الشكل تتحول المنافسة من: دولة عربية ضد دولة عربية إلى: منظومة عربية ضد منظومات الإنتاج العالمية.
الجواز العربي للمنتج منخفض الكربون
ومن أهم عناصر هذا النموذج المقترح إنشاء “جواز عربي للمنتج منخفض الكربون”.
وهو ليس بديلًا عن شهادة CBAM الأوروبية، وإنما نظام عربي داعم يمكن أن يوفر للمشتري والمستورد الأوروبي معلومات موثوقة عن المنتج.
يتضمن هذا الجواز هوية المنتج ومكان تصنيعه ومصدر الطاقة المستخدم والبصمة الكربونية ومراحل الإنتاج وبيانات التحقق.
ويصبح لكل منتج صناعي بصمة رقمية يمكن تتبعها. فبدل أن يقول المصدر: هذا منتج أخضر.
يصبح قادرًا على القول: هذه هي البصمة الكربونية للمنتج، وهذه طريقة حسابها، وهذه الجهة التي تحققت منها.
منصة عربية للبيانات الكربونية
يمكن أن يتطور الجواز إلى منصة إقليمية:
Arab Carbon Data Platform
تجمع البيانات الكربونية للقطاعات الصناعية العربية بطريقة قابلة للمقارنة.
ولا يعني ذلك كشف البيانات التجارية السرية للشركات، بل إنشاء بنية تحتية تسمح بقياس الأداء الكربوني وتطوير مؤشرات موحدة ومساعدة الشركات على الاستعداد لمتطلبات الأسواق الخارجية.
ويمكن أن تصبح هذه المنصة في المستقبل قاعدة بيانات بحثية ضخمة تساعد الجامعات ومراكز الأبحاث والحكومات والمستثمرين على فهم التحول الصناعي العربي.
صندوق عربي للتحول الصناعي الأخضر
أما الحلقة الثالثة في النموذج فهي التمويل.
فلا يمكن مطالبة المصانع بالتحول إلى إنتاج منخفض الكربون دون توفير رأس المال اللازم.
ولهذا يمكن التفكير في آلية عربية مشتركة لتمويل:
الطاقة المتجددة للمصانع.
كفاءة الطاقة.
الهيدروجين الأخضر.
الأمونيا منخفضة الكربون.
الحديد الأخضر.
الألومنيوم منخفض الكربون.
الأسمنت منخفض الانبعاثات.
إعادة تدوير المعادن.
وتقنيات احتجاز الكربون.
وهنا يمكن أن تتحول عوائد صناديق الاستثمار والمؤسسات المالية العربية إلى محرك مباشر للتحول الصناعي.
الفكرة الأبعد: إنشاء “سوق عربية للمنتجات منخفضة الكربون”
ربما تكون هذه هي الفكرة الأكثر طموحًا.
بدل أن يكون الهدف العربي هو تصدير منتجات منخفضة الكربون إلى أوروبا فقط، يمكن إنشاء سوق عربية تعطي قيمة إضافية للمنتجات منخفضة الكربون.
أي أن المنتج العربي الذي يثبت انخفاض بصمته الكربونية يحصل تدريجيًا على ميزة في:
المشتريات الحكومية.
المشروعات الكبرى.
سلاسل التوريد.
التمويل الأخضر.
الاستثمار.
التصدير.
وبذلك ينشأ طلب عربي على المنتجات منخفضة الكربون بالتوازي مع الطلب الأوروبي.
وهذا من شأنه أن يخلق سوقًا إقليمية تساعد الشركات على الاستثمار في إزالة الكربون قبل أن تضطر إليها بسبب الأسواق الخارجية.
من الامتثال إلى التنافسية
هذه هي النقطة التي يجب أن تتغير في التفكير العربي.
ليس الهدف أن نصل إلى 2030 ونحن نقول:
نجحنا في الامتثال لـCBAM.
الهدف يجب أن يكون:
نجحنا في بناء صناعات عربية منخفضة الكربون تستطيع المنافسة عالميًا.
الفرق بين الجملتين كبير.
الأولى دفاعية.
والثانية استراتيجية.
الأولى تتعامل مع أوروبا باعتبارها تفرض قواعد.
والثانية ترى أن العالم كله يتجه إلى قواعد جديدة، وأن من يستعد مبكرًا سيحصل على ميزة.
ماذا يمكن أن يحدث إذا نجح النموذج؟
يمكن أن تظهر خلال السنوات القادمة سلسلة جديدة من المنتجات العربية:
حديد عربي منخفض الكربون.
أسمدة عربية منخفضة الكربون.
ألومنيوم عربي منخفض الكربون.
أسمنت عربي منخفض الكربون.
أمونيا خضراء عربية.
هيدروجين عربي منخفض الكربون.
ويمكن أن تحمل هذه المنتجات هوية جديدة:
Made in MENA
Low Carbon Certified
وهنا تتحول المنطقة من مجرد مورد للمواد والطاقة إلى مورد للمواد الصناعية منخفضة الكربون.
المستقبل قد لا يكون للدولة صاحبة الطاقة الأرخص
بل قد يكون للدولة التي تستطيع تحويل الطاقة إلى منتج صناعي ذي بصمة كربونية منخفضة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للدول العربية.
فالمنطقة تمتلك كميات ضخمة من الطاقة الشمسية والرياح، لكنها إذا قامت بتصدير الكهرباء أو الهيدروجين فقط، فإن جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة سيبقى خارجها.
أما إذا استخدمت الطاقة النظيفة داخل المنطقة لإنتاج الحديد والأسمدة والألومنيوم والمواد الكيميائية، فإن القيمة المضافة ستبقى داخل الاقتصاد العربي.
وبالتالي فإن التحول المناخي يمكن أن يصبح أيضًا استراتيجية للتصنيع.
CBAM كفرصة لإعادة بناء الصناعة العربية
قد تبدو CBAM في ظاهرها أداة أوروبية تضيف تكلفة على صادرات الدول الأخرى.
لكن القراءة الأعمق تكشف أنها قد تؤدي إلى نتيجة مختلفة.
فهي تدفع الشركات إلى قياس الانبعاثات.
وتدفع الحكومات إلى تحسين بيانات الطاقة.
وتدفع المصانع إلى رفع الكفاءة.
وتشجع الاستثمار في الطاقة المتجددة.
وتخلق طلبًا على الهيدروجين منخفض الكربون.
وتدفع نحو تحديث الصناعات الثقيلة.
وتفتح مجالًا جديدًا للتمويل الأخضر.
وتجعل البصمة الكربونية جزءًا من القيمة التجارية للمنتج.
ولهذا يمكن النظر إلى CBAM باعتبارها أحد المحفزات التي قد تسرّع انتقال الصناعة العربية إلى مرحلة جديدة.
الخاتمة
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة لن تكون فيها جودة المنتج وسعره وحدهما كافيين لضمان القدرة على المنافسة.
فالمنتج المستقبلي سيكون مطلوبًا منه أن يكون عالي الجودة، تنافسي السعر، وقابلًا لإثبات بصمته البيئية والكربونية.
وهنا تبرز أهمية CBAM بالنسبة للعالم العربي.
فالمنطقة تمتلك من ناحية قاعدة صناعية كبيرة في القطاعات الأكثر ارتباطًا بالآلية، وهو ما يجعلها معرضة لضغوط حقيقية.
لكنها تمتلك في الوقت نفسه موارد ضخمة من الشمس والرياح، ومواقع استراتيجية، وموانئ، ورأس مال، وصناعات ثقيلة، وخبرات في الطاقة والهندسة، وهو ما يجعلها قادرة على تحويل التحدي إلى فرصة.
مصر تمثل مثالًا مهمًا على ذلك، ليس لأنها الدولة الوحيدة المتأثرة، وإنما لأنها تجمع بين حجم الصناعة، والتعرض للسوق الأوروبية، وإمكانات الطاقة المتجددة والهيدروجين والموقع اللوجستي.
والمغرب يقدم نموذجًا آخر من خلال الجمع بين الطاقة المتجددة والأسمدة.
والجزائر تواجه تحدي تحويل التنويع الصناعي إلى تنويع منخفض الكربون.
وأبوظبي، إلى جانب باقي دول الخليج، تمتلك فرصة إعادة تعريف ميزة الطاقة من خلال إنتاج الطاقة النظيفة وتحويلها إلى مواد صناعية منخفضة الكربون، وقد بدأت بالفعل في تحويل هذه الفرصة إلى مشروعات تشغيلية ملموسة.
أما الفرصة الأكبر فتظهر عندما ننظر إلى هذه القدرات باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة.
ومن هنا فإن الفكرة المقترحة ليست إنشاء برنامج لمواجهة CBAM، وإنما إنشاء منظومة عربية جديدة للصناعة منخفضة الكربون.
ممر عربي للصناعة والتصدير منخفض الكربون.
جواز عربي للمنتج منخفض الكربون.
منصة عربية للبيانات الكربونية.
شبكة عربية للقياس والإبلاغ والتحقق.
وآلية تمويل عربية للتحول الصناعي.
وسوق عربية تعطي قيمة للمنتجات منخفضة الكربون.
إذا نجحت هذه المنظومة، فإن العالم العربي لن يكون في موقف الدفاع عن صادراته أمام التحول الأوروبي.
بل يمكن أن يصبح أحد مراكز إنتاج المواد الصناعية منخفضة الكربون التي سيزداد الطلب عليها عالميًا.
وعندها ستتغير المعادلة بالكامل.
لن يكون السؤال: كم ستدفع الدولة العربية بسبب الكربون؟
بل: كم قيمة المنتج العربي عندما يصبح منخفض الكربون؟
وهذه، في جوهرها، هي الفرصة الحقيقية التي تفتحها CBAM أمام المنطقة.
المراجع والمصادر
1. European Commission. Carbon Border Adjustment Mechanism. Directorate-General for Taxation and Customs Union. 2026. (Taxation and Customs Union)
2. European Commission. CBAM Legislation and Guidance. 2026. (Taxation and Customs Union)
3. European Commission. CBAM Communication and News. 2026. (Taxation and Customs Union)
4. International Monetary Fund. Macroeconomic Exposure to the EU’s Carbon Border Adjustment Mechanism: The Case of the Middle East and Central Asia. IMF Working Paper 2025/182. (IMF eLibrary)
5. International Monetary Fund. The EU’s CBAM: Implications for Member States and Trading Partners. IMF Working Paper 2025/125. (IMF eLibrary)
6. International Monetary Fund. Arab Republic of Egypt: Selected Issues. 2025. (IMF eLibrary)
7. World Bank. CBAM Exposure Indexes. 2025. (البنك الدولي)
8. World Bank. How Algeria is Crafting a Dynamic Economy for Tomorrow. 2025. (البنك الدولي)
9. World Bank. Morocco’s Whole-of-Government Approach to Climate Policy. 2026. (World Bank Blogs)
10. مصدر (Masdar). مصدر وحديد الإمارات أركان يطوران أول مشروع لإنتاج الحديد بالاعتماد على الهيدروجين الأخضر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 2026. (مصدر)
11. مجلة الطاقة. أكبر 3 مشروعات هيدروجين في الإمارات.. استثمارات مليارية تدعم طاقة المستقبل. يوليو 2026. (الطاقة)
12. غرفة تجارة وصناعة أبوظبي (عبر زاوية). أبوظبي تنضم إلى سباق الاقتصاد العالمي للهيدروجين مستفيدة من مزايا تنافسية قوية. أغسطس 2026. (زاوية)
13. صدى العرب. دولة الإمارات تواصل دعم مسيرة نمو مشاريع الهيدروجين الأخضر – القمة العالمية لطاقة المستقبل ضمن أسبوع أبوظبي للاستدامة. يناير 2026. (صدى العرب)
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز