النينيو… حين يغيّر المحيط الهادئ طقس العالم

ظاهرة مناخية طبيعية تضاعف الاحترار والجفاف والفيضانات، وتضع الزراعة والأمن الغذائي أمام اختبار صعب

سلسلة «خواطر زراعية» حلقة رقم (41)
شبكة بيئة أبوظبي؛ سبتمبر 2026م؛ بقلم: د. قاسم زكي، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية 15 سبتمبر 2026

قد يبدو بعيدًا عن المزارع العربي ما يحدث في مياه المحيط الهادئ الاستوائية، على مسافة آلاف الكيلومترات من حقله. غير أن ارتفاع حرارة مساحة محدودة من سطح هذا المحيط يمكن أن يعيد توزيع الأمطار والرياح والحرارة في مناطق واسعة من العالم، فيتأخر موسم المطر هنا، ويشتد الجفاف هناك، بينما تتعرض مناطق أخرى لفيضانات وعواصف مدمرة. هذه الظاهرة العالمية تُعرف باسم «النينيو» (El Niño)، وهي أحد وجهي تذبذب مناخي طبيعي واسع يُسمى «التذبذب الجنوبي للنينيو»، أو ENSO.

ولا تمثل النينيو مجرد خبر مناخي يخص علماء الأرصاد؛ فهي قضية زراعية وغذائية واقتصادية وإنسانية، لأن آثارها تمتد إلى المحاصيل والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك والنقل البحري والأسعار، وقد تدفع ملايين البشر، ولا سيما في الدول الفقيرة، إلى حافة انعدام الأمن الغذائي.

ما ظاهرة النينيو؟
في الظروف العادية تهب الرياح التجارية من الشرق إلى الغرب فوق المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ، فتدفع المياه السطحية الدافئة نحو إندونيسيا وأستراليا. وفي المقابل، تصعد مياه باردة غنية بالعناصر الغذائية من أعماق المحيط بمحاذاة سواحل بيرو والإكوادور، فتدعم واحدًا من أغنى النظم البحرية ومصايد الأسماك في العالم.

لكن هذه المنظومة تتغير في سنوات النينيو؛ إذ تضعف الرياح التجارية أو تنعكس جزئيًا، وتتحرك المياه الدافئة شرقًا نحو سواحل أميركا الجنوبية، فينخفض صعود المياه الباردة، وتتبدل مناطق تكوّن السحب وهطول الأمطار. ومن هنا تبدأ سلسلة من التغيرات الجوية لا تظل حبيسة المحيط الهادئ، بل تنتقل آثارها عبر الغلاف الجوي إلى قارات بعيدة.

وعلى الجانب الآخر تأتي ظاهرة «النينيا»، عندما تصبح مياه شرق ووسط المحيط الهادئ أبرد من المعتاد، وتقوى الرياح التجارية. وبين المرحلتين توجد حالة محايدة. وتتكرر دورة النينيو والنينيا عادة على فترات غير منتظمة، تتراوح غالبًا بين سنتين وسبع سنوات، وقد تستمر كل حالة عدة أشهر أو أكثر من عام.

النينيو القوية ليست كلها متشابهة
استندت المادة التي أثارت هذا الموضوع إلى حدث النينيو القوي في عامي 2023 و2024، وقد تميز بارتفاع كبير في حرارة مياه المحيط الهادئ، وبتكوّنه القوي في شرقه، على نحو أعاد إلى الأذهان نينيو 1997–1998. لكن العالم في الحدث الأحدث كان أكثر حرارة بفعل تغير المناخ، ولذلك أصبح من الصعب فصل الأثر الطبيعي للنينيو عن أثر الاحترار الناتج من زيادة غازات الاحتباس الحراري.

وهنا يجب التمييز بين ظاهرتين: النينيو تذبذب طبيعي قديم، أما تغير المناخ الحالي فهو اتجاه طويل الأمد تقوده أساسًا الأنشطة البشرية. النينيو لا تصنع الاحترار العالمي، لكنها تضيف دفعة مؤقتة إلى حرارة الكوكب، وكأن موجة طبيعية من الدفء تركب فوق بحر آخذ في الارتفاع بالفعل. ولهذا قد تؤدي النينيو القوية في عالم أكثر سخونة إلى نتائج لم تعد الخبرة التاريخية وحدها كافية لتوقعها.

كما تختلف التأثيرات باختلاف موضع أشد المياه دفئًا؛ فقد تتركز في وسط المحيط الهادئ أو في شرقه. وهذا الاختلاف يؤثر في مواقع الأمطار ومسارات العواصف، ومن ثم لا توجد خريطة جامدة تصلح لكل أحداث النينيو.

الزراعة في خط المواجهة
تعتمد الزراعة على انتظام نسبي لمواعيد المطر ودرجات الحرارة وتوافر مياه الري. وحين تخل النينيو بهذا الانتظام، قد ينخفض إنبات البذور، ويضطرب التزهير والعقد، وتقصر فترة امتلاء الحبوب، وتتراجع إنتاجية المحاصيل. ويؤدي الجفاف إلى نقص مياه الشرب والمراعي والأعلاف، بينما تتسبب الفيضانات في غمر الحقول وانجراف التربة وانتشار أمراض النبات والحيوان.
وقد ارتبطت أحداث نينيو قوية بجفاف في أجزاء من جنوب القارة الأفريقية وشرقها وأميركا الوسطى وجنوب شرقي آسيا، وبأمطار غزيرة وفيضانات في أجزاء من الساحل الغربي لأميركا الجنوبية. ومع ذلك، لا تتلقى كل المناطق الأثر نفسه، وقد تتغير الاستجابة من موسم إلى آخر بحسب الظروف المحلية.

خلال حدث 2023–2024، أسهم الجفاف وانخفاض منسوب المياه في قناة بنما في تقييد حركة بعض السفن، بما كشف أن الصدمة المناخية تستطيع التأثير في تجارة الغذاء والأسمدة، لا في إنتاج المحاصيل وحده. كما أُلغي مبكرًا موسم مهم لصيد الأنشوجة (مجموعة من الأسماك البحرية الصغيرة، Anchovy) قبالة بيرو بعدما ابتعدت الأسماك عن المياه السطحية الدافئة وتراجعت ظروف تكاثرها. والأسماك الصغيرة مثل الأنشوجة ليست غذاءً بشريًا فقط؛ إذ تدخل كذلك في صناعة مسحوق السمك المستخدم في أعلاف الدواجن والاستزراع السمكي، فتنتقل الصدمة إلى حلقات أخرى من النظام الغذائي.

وفي أجزاء من أفريقيا، اجتمعت قلة الأمطار مع ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وضعف القدرة الشرائية، فأصبح الخطر أكبر من مجرد نقص المحصول. فالكارثة الزراعية لا تنشأ من المناخ وحده، بل من تفاعل الصدمة المناخية مع الفقر والنزاعات وهشاشة شبكات النقل والتخزين والأسواق.

هل تتأثر المنطقة العربية؟
ليست العلاقة بين النينيو والطقس في المنطقة العربية مباشرة أو ثابتة؛ لأن مناخنا يتأثر أيضًا بالبحر المتوسط والمحيط الهندي والبحر الأحمر وأنظمة الضغط الجوي ومسارات الرياح. لذلك لا يجوز القول إن كل موجة حر أو جفاف أو عاصفة ترابية سببها النينيو.

ومع ذلك، قد تصل إلينا آثارها بطريقتين. الأولى من خلال التغير المحتمل في الحرارة والأمطار ببعض أجزاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. والثانية، وربما الأوضح، عبر الأسواق العالمية؛ إذ تستورد دول عربية كميات كبيرة من القمح والذرة والزيوت والأعلاف. فإذا تضرر الإنتاج في دولة مصدّرة، أو تعطلت الموانئ والممرات البحرية، أو ارتفعت كلفة النقل، انعكس ذلك على أسعار الغذاء محليًا.

وتواجه مصر ودول عربية أخرى ندرة مائية وارتفاعًا في درجات الحرارة وتملحًا لبعض الأراضي. وقد تتحول أي صدمة إضافية في الإنتاج العالمي أو سلاسل الإمداد إلى عبء على الموازنة والأسر محدودة الدخل. لذلك ينبغي التعامل مع النينيو بوصفها جزءًا من منظومة الأمن القومي الغذائي، لا مجرد ظاهرة تحدث في محيط بعيد.

من التنبؤ إلى الاستعداد
لا يستطيع الإنسان منع النينيو، لكنه يستطيع تقليل خسائرها. وتبدأ المواجهة بتطوير نظم الإنذار المبكر وتحويل التوقعات الجوية إلى إرشادات واضحة تصل إلى المزارع في الوقت المناسب. وقد تتضمن الاستجابة تعديل مواعيد الزراعة، واختيار أصناف مبكرة أو متحملة للجفاف والحرارة، وتنويع المحاصيل، ورفع كفاءة الري، وصيانة المصارف، وتأمين مخزون من البذور والأعلاف.

ويأتي هنا دور علوم الوراثة والتربية والتكنولوجيا الحيوية في استنباط أصناف أكثر قدرة على تحمل الإجهاد الحراري والعطش والملوحة. لكن الصنف المتحمل وحده لا يكفي؛ فلا بد من تربة جيدة، وإدارة رشيدة للمياه، وخدمات إرشاد زراعي فعالة، وتأمين زراعي يعوض المزارعين عن الخسائر الاستثنائية.

كما تحتاج الدول المستوردة للغذاء إلى تنويع مصادر الاستيراد، ومتابعة مناطق الإنتاج العالمية، وتكوين احتياطيات استراتيجية محسوبة، والحد من الفاقد بعد الحصاد. ولا ينبغي إغفال حماية مواقع التراث الثقافي من الفيضانات والعواصف والحرائق؛ وهو ما دفع اليونسكو إلى تطوير أدوات تساعد المختصين وصناع القرار على الاستعداد لتأثيرات النينيو في المواقع التراثية.

رسالة المحيط البعيد
تكشف النينيو أن مناخ الأرض شبكة واحدة؛ فدفء المياه قبالة بيرو قد يضعف محصول الذرة في أفريقيا، ويرفع كلفة الأعلاف في بلد عربي، ويؤثر في سفينة تعبر قناة بنما. وفي عصر تغير المناخ تصبح هذه الروابط أشد تعقيدًا، وتزداد احتمالات المفاجآت.

إن متابعة النينيو لا تعني الاستسلام للخوف أو نسبة كل كارثة إليها، بل تعني استخدام العلم للاستعداد. فالزراعة التي تنتظر الأزمة ستدفع ثمنها، أما الزراعة التي تراقب المناخ وتنوع محاصيلها وتحسن إدارة مياهها وتستثمر في البحث العلمي، فستمتلك فرصة أفضل للصمود. وتلك هي الخاطرة التي يقدمها لنا المحيط الهادئ: قد نكون بعيدين عن أمواجه، لكننا لسنا بعيدين عن رسائله.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الغابة الطبيعية في مواجهة الحر

لماذا تصمد الغابات الطبيعية أمام الجفاف وموجات الحر أكثر من الغابات المزروعة؟ سلسلة “خواطر زراعية” …

اترك تعليقاً