كيف أنقذ العلم الدرع الأزرق فوق رؤوسنا وفتح الطريق إلى كوكب أكثر برودة
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 16 سبتمبر 2026
فوق رؤوسنا، على ارتفاع عشرات الكيلومترات، توجد طبقة لا نراها ولا نشعر بوجودها في حياتنا اليومية، لكنها تؤدي واحدة من أكثر الوظائف أهمية لاستمرار الحياة على الأرض. هناك، في هدوء الستراتوسفير، تعمل جزيئات الأوزون بلا ضجيج كحاجز طبيعي أمام جزء من الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس. لا نراها وهي تحمي جلد الإنسان، ولا نسمعها وهي تصون المادة الوراثية في خلايانا، ولا ندرك وجودها عندما تنمو النباتات تحت الضوء أو تستمر النظم البيئية البحرية في أداء دورها في دورة الكربون. ومع ذلك، فإن هذا الدرع الكيميائي الرقيق يمثل أحد الشروط الأساسية التي جعلت الحياة على سطح الأرض ممكنة في صورتها الحالية.
ولعل أجمل ما في قصة الأوزون أن البشرية لم تكتشف قيمته كاملة إلا عندما بدأت تهدده. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، اتضح للعلماء أن بعض المركبات الكيميائية التي صنعها الإنسان واستخدمها على نطاق واسع في التبريد والصناعة وغيرها، يمكن أن تصل إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي، حيث تتحول تحت تأثير الأشعة فوق البنفسجية إلى مصدر لذرات الكلور والبروم القادرة على الدخول في تفاعلات متسلسلة تستنزف الأوزون. ثم جاء اكتشاف الانخفاض الحاد في الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية ليضع العالم أمام واحدة من أخطر الأزمات البيئية التي صنعها الإنسان بيده.
لكن هذه القصة، على خلاف كثير من قصص الأزمات البيئية، لم تنتهِ بالهزيمة. فقد استمع العالم إلى العلماء، وتحولت المعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى اتفاق دولي، والاتفاق إلى تشريعات واستثمارات وتكنولوجيا وتعاون دولي. وهكذا أصبح بروتوكول مونتريال واحدًا من أبرز الأمثلة في التاريخ الحديث على قدرة المجتمع الدولي على معالجة مشكلة بيئية عالمية عندما تتوافر الأدلة العلمية والإرادة السياسية وآليات التنفيذ.
واليوم، في السادس عشر من سبتمبر 2026، لا يحتفل العالم بمجرد ذكرى اتفاقية ناجحة، وإنما يقف عند فصل جديد من القصة. فموضوع اليوم العالمي للحفاظ على طبقة الأوزون هذا العام هو «العمل العالمي من أجل كوكب أكثر برودة»، مع الاحتفال بمرور عشر سنوات على تعديل كيجالي لبروتوكول مونتريال، الذي وسّع نطاق المعركة من حماية الأوزون إلى معالجة أحد أوجه التحدي المناخي المرتبط بالتبريد.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: كيف انتقلت البشرية من الخوف على طبقة غازية في أعالي الغلاف الجوي إلى الحديث عن مستقبل التبريد وكفاءة الطاقة والاحترار العالمي؟ وكيف يمكن لعلم الوراثة والتقنية الحيوية أن يساعدانا على فهم القيمة الحقيقية لهذا الدرع غير المرئي؟
حين يصبح الضوء خطرًا على الحياة
من منظور بيولوجي، لا تكمن أهمية الأوزون في تركيبه الكيميائي فحسب، وإنما في قدرته على التحكم في كمية ونوعية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى سطح الأرض. فالشمس مصدر الحياة والضوء والطاقة، لكنها في الوقت نفسه تطلق إشعاعًا يمكن أن يسبب أضرارًا بالغة للكائنات الحية إذا وصل منها إلى سطح الأرض مقدار أكبر مما تستطيع الأنظمة الحيوية تحمله.
وتتوزع الأشعة فوق البنفسجية إلى نطاقات رئيسية تختلف في أطوالها الموجية وتأثيراتها البيولوجية. فالأشعة UV-A تصل إلى سطح الأرض بدرجة كبيرة، وترتبط خصوصًا بعمليات شيخوخة الجلد وأضرار ضوئية تراكمية، بينما تمثل الأشعة UV-B الجزء الأكثر أهمية في ما يتعلق بالأضرار المباشرة التي تلحق بالمادة الوراثية. أما الأشعة UV-C الأعلى طاقة والأقصر طولًا موجيًا، فيمتص معظمها الأكسجين والأوزون في الغلاف الجوي قبل أن يصل إلى سطح الأرض.
وهنا تظهر الصلة المباشرة بين الأوزون والجينوم. فالحمض النووي DNA يمتص الأشعة فوق البنفسجية بكفاءة عند أطوال موجية معينة، ويمكن للطاقة الممتصة أن تحدث تغيرات كيميائية في القواعد النيتروجينية، ومن أشهر هذه الأضرار ما يعرف بثنائيات البيريميدين الحلقية أو Cyclobutane Pyrimidine Dimers، ومنها ثنائيات الثايمين. ويؤدي تكوّن هذه الروابط غير الطبيعية بين قواعد متجاورة إلى تشويه البنية الهندسية للـDNA، بما قد يعوق عمليات النسخ والتضاعف إذا لم تتمكن الخلية من إصلاح الضرر.
لكن الصورة العلمية أكثر تعقيدًا من القول إن كل تعرض للأشعة فوق البنفسجية يؤدي إلى السرطان. فالخلية تمتلك منظومات متقدمة لإصلاح أضرار المادة الوراثية، من بينها مسار إصلاح استئصال النيوكليوتيدات، كما تمتلك آليات أخرى للتعامل مع الإجهاد التأكسدي والأضرار الناتجة عن الإشعاع. غير أن التعرض الزائد والمتكرر للأشعة فوق البنفسجية يمكن أن يزيد العبء الواقع على هذه الأنظمة، ومع تراكم الأضرار والطفرات في خلايا الجلد ترتفع مخاطر الإصابة بسرطانات الجلد.
ومن هنا تبدو طبقة الأوزون، بالنسبة إلى عالم الوراثة والتقنية الحيوية، أكثر من مجرد ظاهرة فيزيائية وكيميائية في الغلاف الجوي. إنها، بصورة غير مباشرة، جزء من منظومة الحماية التي تقلل وصول عامل قادر على إحداث أضرار في الشيفرة الوراثية للكائنات الحية.
من الجينوم إلى الحقول والمحيطات
ولا تتوقف أهمية الأوزون عند الإنسان. فالنباتات أيضًا تواجه الأشعة فوق البنفسجية، وقد طورت خلال تطورها مجموعة من آليات الحماية والاستجابة والإصلاح. غير أن ارتفاع التعرض للأشعة UV-B يمكن أن يضيف ضغطًا فسيولوجيًا يؤثر في نمو بعض النباتات وفي البناء الضوئي وتوازن مضادات الأكسدة وتطور الأوراق، وتختلف شدة هذه التأثيرات باختلاف الأنواع والأصناف والظروف البيئية الأخرى.
وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في عالم يواجه أصلًا ضغوط الحرارة والجفاف ونقص المياه. فالمحاصيل لا تتعامل مع الأشعة فوق البنفسجية بمعزل عن الحرارة أو الجفاف أو الملوحة؛ وإنما تستجيب لمجموعة متشابكة من الضغوط البيئية. ولهذا فإن الحفاظ على الأوزون يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع للحفاظ على مرونة النظم الزراعية، وليس حلًا منفردًا لمشكلة الأمن الغذائي.
أما في البحار والمحيطات، فتأخذ القصة بعدًا آخر. فالعوالق النباتية والكائنات المجهرية الموجودة في الطبقات المضاءة من المياه تؤدي أدوارًا محورية في الشبكات الغذائية البحرية وفي دورة الكربون. وقد أظهرت الدراسات أن الأشعة فوق البنفسجية يمكن أن تؤثر في بعض الكائنات البحرية وفي عملياتها الفسيولوجية، لكن حجم الأثر البيئي يعتمد على عوامل عديدة، منها العمق وخصائص المياه والأنواع الموجودة ودرجة التكيف.
وهنا تكمن أهمية التواصل العلمي الرصين؛ فليس مطلوبًا أن نبالغ في الخطر حتى نقنع الناس بأهمية الأوزون. الحقيقة العلمية نفسها أكثر إثارة من المبالغة، لأنها تكشف عن شبكة مترابطة من العلاقات بين الغلاف الجوي والمادة الوراثية والنبات والمحيط والمناخ.
مونتريال.. عندما تحولت المعرفة إلى قرار عالمي
كان الإنجاز الأكبر في قصة الأوزون هو أن العالم لم ينتظر حتى تتحول المشكلة إلى كارثة لا يمكن عكسها. فقد ساعدت الأبحاث العلمية في كشف الخطر، ثم تطورت الاستجابة السياسية تدريجيًا حتى جاء بروتوكول مونتريال عام 1987 ليضع إطارًا دوليًا للتخلص التدريجي من المواد المستنفدة للأوزون.
ومع مرور العقود، أثبت الاتفاق أنه أكثر من وثيقة سياسية. لقد أصبح منظومة متكاملة من القيود التنظيمية والتمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات والمراجعة العلمية المستمرة. وتشير التقييمات الدولية إلى أن نحو 99% من المواد المستنفدة للأوزون الخاضعة للرقابة قد تم التخلص منها عالميًا، وأن طبقة الأوزون تسير في اتجاه التعافي وفق السيناريوهات الحالية.
وهذا التعافي لا يعني أن المشكلة انتهت تمامًا، ولا يعني أن «الثقب» اختفى إلى الأبد في كل عام، وإنما يعني أن الاتجاه العام طويل المدى أصبح إيجابيًا بفضل انخفاض تركيزات المواد المستنفدة للأوزون. وتظل التقلبات السنوية، خاصة فوق القارة القطبية الجنوبية، متأثرة بدرجات الحرارة وحركة الغلاف الجوي والظروف الجوية المعقدة.
إنها قصة نجاح تستحق الاحتفاء، ليس لأنها تثبت أن الإنسان قادر على إصلاح كل ما أفسده، فهذا تعميم لا يسمح به العلم، وإنما لأنها تقدم دليلًا تاريخيًا قويًا على أن التعاون الدولي القائم على العلم يمكن أن يغير مسار مشكلة بيئية عالمية.
كيجالي.. من حماية الأوزون إلى تبريد العالم
لكن نجاح مونتريال أوجد تحديًا جديدًا. فقد احتاج العالم إلى بدائل للمواد التي تستنزف الأوزون، وكان من بين هذه البدائل مركبات الهيدروفلوروكربون(HFCs). وهذه المركبات لا تستنزف الأوزون بالطريقة التي تفعلها مركبات الكلور والبروم، لكنها في عدد من الحالات تمتلك قدرة عالية على التأثير في الاحترار العالمي.
ومن هنا جاء تعديل كيجالي عام 2016، الذي وضع إطارًا دوليًا لخفض إنتاج واستهلاك مركبات HFC تدريجيًا. وبعد عشر سنوات، أصبح تعديل كيجالي أحد أهم الأمثلة على انتقال سياسة بيئية من مشكلة إلى أخرى من دون فقدان الرؤية العلمية؛ فحماية الأوزون وحدها لم تعد كافية، لأن البديل المستخدم في أجهزة التبريد يمكن أن يحمل عبئًا مناخيًا كبيرًا.
وتؤكد الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة أن التنفيذ الكامل لتعديل كيجالي يمكن أن يتجنب ما يصل إلى 0.5 درجة مئوية من الاحترار العالمي بحلول نهاية القرن، ويمكن أن تتضاعف هذه الفوائد تقريبًا عند الجمع بين خفض HFCs وتحسين كفاءة استخدام الطاقة في معدات التبريد.
وهذه العلاقة أصبحت أكثر أهمية مع ارتفاع درجات الحرارة حول العالم. فالتبريد لم يعد ترفًا في كثير من المناطق، وإنما أصبح ضرورة للصحة العامة وحفظ الأغذية والأدوية واللقاحات، ولحماية العاملين في البيئات شديدة الحرارة. لكن المفارقة أن العالم إذا توسع في التبريد باستخدام أجهزة منخفضة الكفاءة ووسائط تبريد عالية الأثر المناخي، فقد يزيد جزءًا من المشكلة التي يحاول علاجها.
ولهذا فإن «التبريد المستدام» هو جوهر المرحلة الجديدة: أجهزة أكثر كفاءة، ووسائط تبريد أكثر ملاءمة، وتسرب أقل أثناء التشغيل والصيانة، وإدارة أفضل للطاقة، وتصميم عمراني يقلل أصلًا الحاجة إلى التبريد.
مصر.. من الالتزام الدولي إلى التحول الصناعي
وفي هذه القصة العالمية، لا تقف مصر على هامش المشهد. فقد انضمت إلى منظومة حماية الأوزون، وطورت آليات وطنية لتنفيذ التزامات بروتوكول مونتريال وتعديلاته، وتعمل على الانتقال التدريجي نحو نظم تبريد أكثر توافقًا مع متطلبات حماية البيئة والمناخ.
وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في بلد ذي مناخ حار وطلب متزايد على أجهزة التكييف والتبريد. فالمطلوب ليس مجرد استبدال غاز بآخر، وإنما إعادة بناء منظومة كاملة تشمل الصناعة والاستيراد والتوزيع والصيانة واسترداد وسائط التبريد وإعادة تدويرها والتخلص الآمن منها، إلى جانب تأهيل الفنيين ورفع كفاءة الأجهزة.
وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في التدريب والتكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حماية الأوزون والمناخ معًا. فالتسرب الذي يحدث أثناء عمليات الصيانة، أو التخلص غير السليم من وسائط التبريد، أو تداول منتجات غير مطابقة، يمكن أن يقوض جزءًا من المكاسب التي تحققها التشريعات على الورق.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة بالنسبة إلى مصر والدول العربية ينبغي أن تنظر إلى قطاع التبريد باعتباره قطاعًا صناعيًا استراتيجيًا، لا مجرد ملف بيئي. فالتوسع في كفاءة الطاقة، وتطوير مواد العزل الحراري، وتحسين تصميم المباني، واستخدام البدائل المناسبة، وتطوير أنظمة التبريد بالطاقة الشمسية، كلها مجالات يمكن أن تخلق فرصًا للبحث والابتكار والاستثمار.
النجاح لا يعني أن الحذر انتهى
ورغم أن قصة الأوزون تمنحنا سببًا حقيقيًا للتفاؤل، فإن الأبحاث الحديثة تذكرنا بأن النظام الجوي أكثر تعقيدًا مما كنا نتصور. فقد كشفت دراسة حديثة في Nature Communications أن استخدام بعض المواد المستنفدة للأوزون كمواد خام في تصنيع مواد كيميائية أخرى يمثل مصدرًا للانبعاثات لم يكن مقدرًا بصورة كافية. ووفق الدراسة، ارتفع استخدام هذه المواد كمواد خام بنسبة 163% بين عامي 2000 و2024، كما قُدرت نسبة الانبعاثات المرتبطة بها بنحو 3.6% من الإنتاج في السيناريو المستخدم، وهو ما يمكن أن يؤخر تعافي أوزون خطوط العرض الوسطى بنحو سبع سنوات في المتوسط، مع نطاق تقديري من ست إلى إحدى عشرة سنة، إذا استمرت الانبعاثات المرتفعة من دون إجراءات إضافية.
وهذه النتيجة لا تعني أن بروتوكول مونتريال فشل، بل على العكس؛ إنها تكشف قوة المنهج العلمي الذي يستمر في البحث عن مصادر الانبعاثات غير المتوقعة حتى بعد نجاح السياسة الأساسية. فالمشكلة البيئية قد تتغير عندما تتغير الصناعة، وقد تظهر مسارات جديدة للانبعاث لم تكن في الحسبان عندما وُضعت القواعد الأولى.
كما أن علاقة الأوزون بالمناخ أصبحت أكثر تعقيدًا مع تغير تركيبة الغلاف الجوي ودرجات الحرارة وديناميات الستراتوسفير. ولذلك فإن الأبحاث الحديثة لا تتعامل مع طبقة الأوزون باعتبارها نظامًا منفصلًا عن المناخ، بل باعتبارها جزءًا من منظومة جوية واحدة تتبادل فيها العمليات الكيميائية والإشعاعية والديناميكية التأثير.
وهذا تحديدًا هو ما يجعل السنوات المقبلة مهمة للعلماء وصناع السياسات. فالتقييمات الجديدة لا تسأل فقط: هل يتعافى الأوزون؟ وإنما تبحث أيضًا في سرعة التعافي، والفروق الإقليمية، وتأثير تغير المناخ، والانبعاثات الصناعية المتبقية، والمواد الكيميائية التي لم تكن في السابق موضع اهتمام كافٍ.
درس الأوزون.. حين يصبح العلم سياسة
ربما تكون أعظم قيمة في قصة الأوزون أنها غيرت مفهومنا للعلاقة بين العلم والسياسة. ففي كثير من القضايا البيئية، يظل العلم في جهة والسياسة في جهة أخرى، بينما يتجادل المجتمع حول الأرقام والآثار الاقتصادية. أما في حالة الأوزون فقد ظهرت صيغة مختلفة: اكتشف العلماء الخطر، وتعاونوا مع صناع القرار، ثم جرى تعديل السياسات مع تطور المعرفة.
ولم يكن النجاح نتيجة اكتشاف علمي واحد، بل نتيجة منظومة كاملة من الرصد والنمذجة والتشريع والتمويل ونقل التكنولوجيا. وهذه المنظومة هي التي جعلت من بروتوكول مونتريال تجربة قابلة للاستفادة منها في ملفات بيئية أخرى.
ومن هنا، فإن حماية الأوزون ليست مجرد قصة عن غاز موجود في السماء، وإنما درس في إدارة المعرفة البيئية. إنها تقول لنا إن الإنذار المبكر أفضل من الانتظار، وإن التشريع يحتاج إلى العلم، وإن العلم يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويل نتائجه إلى قرارات، وإن التكنولوجيا لا تصبح «خضراء» لمجرد أن اسمها حديث، وإنما عندما تقاس آثارها طوال دورة حياتها.
السماء التي لا نراها.. مسؤوليتنا التي لا تسقط
كلما رفعنا أعيننا إلى السماء، رأينا زرقتها، لكننا لا نرى الحارس الحقيقي الذي يعمل فوقها. لا نرى جزيئات الأوزون وهي تمتص جزءًا من الأشعة فوق البنفسجية، ولا نرى التفاعلات الكيميائية التي تجري في صمت، ولا نرى أثرها الممتد إلى خلايا جلد الإنسان، وإلى أوراق النبات، وإلى النظم البيئية التي تشكل شبكة الحياة على كوكبنا.
لكننا نعرف اليوم أكثر مما عرفناه قبل نصف قرن. نعرف كيف يمكن لمركبات من صنع الإنسان أن تصل إلى طبقات الجو العليا، وكيف يمكن لذرات قليلة من الكلور أو البروم أن تدخل في دورات كيميائية واسعة الأثر، ونعرف أيضًا أن الإنسان يستطيع، عندما يتوافر له العلم والإرادة والتعاون، أن يغير اتجاه المشكلة.
لقد علّمنا بروتوكول مونتريال أن حماية الكوكب ليست شعارًا رومانسيًا، وإنما مشروع يمكن أن يبدأ من مختبر وينتهي في مصنع، ومن ورقة بحثية يتحول إلى تشريع، ومن اتفاقية دولية يصبح أثرها محسوسًا في صحة الإنسان والمناخ والنظم البيئية.
أما تعديل كيجالي فيضيف إلى هذا الدرس فصلًا جديدًا: لا يكفي أن نحمي الأوزون إذا كنا سنبني في الوقت نفسه منظومة تبريد تزيد الاحترار. المطلوب أن نصل إلى معادلة أكثر ذكاءً؛ نحمي الأوزون، ونخفض الغازات ذات الأثر المناخي المرتفع، ونرفع كفاءة الطاقة، ونضمن حق الإنسان في التبريد الآمن والمستدام.
ومن موقعنا في العالم العربي، لا ينبغي أن نكون مجرد مستهلكين للتكنولوجيا الخضراء، بل شركاء في صناعتها وتطويرها. فمستقبل التبريد في منطقتنا يمكن أن يكون مجالًا واسعًا للبحث العلمي والتقنية الحيوية وعلوم المواد والطاقة المتجددة والهندسة، ويمكن أن تتحول الحاجة إلى التبريد من عبء مناخي إلى فرصة للابتكار والتنمية.
وفي النهاية، ربما يكون أعظم ما تعلمناه من قصة الأوزون أن السماء لا تمنحنا فرصًا غير محدودة، وأن ما يبدو بعيدًا فوق رؤوسنا يمكن أن يكون شديد القرب من حياتنا.
لقد أنقذ العلم طبقة الأوزون عندما استمع العالم إليه. واليوم، ونحن نواجه تغير المناخ وتحديات التبريد ومستقبل الغذاء والصحة، فإن مسؤوليتنا ليست أن نحتفل بهذا النجاح فحسب، بل أن نتعلم منه.
فالعلم الذي أنقذ مظلة الحياة يستطيع أن يرسم لنا طريقًا إلى مستقبل أكثر برودة، وأكثر أمانًا، وأكثر احترامًا للطبيعة.
هاشتاجات:
#اليوم_العالمي_للأوزون – #حماية_طبقة_الأوزون – #تعديل_كيجالي – #التغير_المناخي – #الأمن_البيئي_العربي – #جهود_مصر_البيئية – #التقنية_الحيوية – #التبريد_المستدام – #الوعي_العلمي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز