هندسة التحول الاقتصادي العالمي

كيف تشكل السياسات الصناعية الحديثة مستقبل التنمية والتوازن البيئي؟

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 08 سبتمبر 2026
لم يعد الاقتصاد العالمي يعيش المرحلة التي كان يمكن فيها النظر إلى الأسواق باعتبارها الآلية الوحيدة القادرة، بمفردها، على تحديد اتجاهات الإنتاج والاستثمار والتنمية. فخلال السنوات الأخيرة تتابعت أزمات أعادت اختبار قدرة النظام الاقتصادي العالمي على الصمود أمام الصدمات، من اضطرابات سلاسل الإمداد التي كشفتها جائحة كوفيد-19، إلى التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية، مرورًا بتسارع التحول المناخي والطاقة النظيفة والتنافس على التقنيات الاستراتيجية. وفي ظل هذا المشهد المتغير، عادت الدولة إلى قلب النقاش الاقتصادي، ليس بالضرورة باعتبارها بديلًا عن السوق، وإنما باعتبارها طرفًا يستطيع توجيه بعض الاستثمارات والموارد نحو أنشطة ترى أنها ذات أهمية تنموية أو استراتيجية.

وهنا تستعيد السياسة الصناعية، التي ظلت لعقود موضوعًا مثيرًا للجدل بين الاقتصاديين، حضورها بقوة في أجندة الحكومات والمؤسسات الدولية. ويعرّف تقرير البنك الدولي الجديد السياسة الصناعية بصورة واسعة باعتبارها الإجراءات الحكومية الرامية إلى تعزيز أنشطة أعمال استراتيجية، ولا يقتصر مفهوم النشاط الصناعي في هذا السياق على التصنيع التقليدي، بل يمكن أن يشمل الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة والخدمات المهنية والأنشطة التكنولوجية وغيرها. ويكتسب التقرير أهمية خاصة لأنه لا يكتفي بالسؤال التقليدي حول ما إذا كان ينبغي للحكومات أن تتدخل، بل ينتقل إلى سؤال أكثر عملية: كيف يمكن تصميم السياسة الصناعية وتنفيذها بحيث تحقق أهداف التنمية بأكبر قدر ممكن من الكفاءة وأقل قدر ممكن من الهدر والتشوهات؟

واللافت أن البيانات الجديدة لا تدعم التصور الشائع الذي يرى أن الاقتصادات المتقدمة هي المستخدم الأكبر للسياسة الصناعية. فمراجعة خطط التنمية الوطنية في 183 اقتصادًا أظهرت أن جميع الحكومات تستهدف نمو نشاط صناعي أو اقتصادي واحد على الأقل، بينما تستهدف الاقتصادات منخفضة الدخل في المتوسط نحو 13 صناعة، مقارنة بنحو 5 صناعات في الاقتصادات مرتفعة الدخل. كما يبلغ متوسط دعم الأعمال في الاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأعلى نحو 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة وصفها البنك الدولي بأنها الأعلى في السجل المتاح.

هذه الأرقام لا تعني ببساطة أن الدول الفقيرة “أكثر تقدمًا” في السياسة الصناعية أو أن الدول الغنية أقل تدخلًا، وإنما تكشف اختلافًا في طبيعة الأهداف والقيود. ففي الاقتصادات النامية، ترتبط السياسة الصناعية بدرجة كبيرة بمحاولات خلق فرص العمل وجذب الاستثمار وتنويع الاقتصاد وزيادة القدرة التصديرية، بينما تزداد في الاقتصادات المتقدمة أهمية اعتبارات الأمن الاقتصادي والمرونة أمام اضطرابات سلاسل الإمداد، إلى جانب بعض الأهداف المرتبطة بالمناخ والتكنولوجيا الاستراتيجية.

إعادة اكتشاف السياسة الصناعية
تكشف المقارنة العالمية عن تحول مهم في طريقة تعامل الحكومات مع مفهوم الصناعة. فالدولة الحديثة لا تنظر بالضرورة إلى الصناعة باعتبارها مجرد مصانع وخطوط إنتاج، بل باعتبارها منظومة واسعة من القدرات الإنتاجية والتكنولوجية والبشرية التي يمكن أن تؤثر في النمو والتوظيف والتجارة والأمن الاقتصادي. ولذلك أصبحت السياسة الصناعية تشمل قطاعات وأنشطة تتجاوز التصنيع التقليدي، كما أصبحت أدواتها أكثر تنوعًا من مجرد الرسوم الجمركية أو الإعانات المالية.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصادات منخفضة الدخل تستهدف عددًا أكبر من الصناعات في خططها الوطنية مقارنة بالاقتصادات مرتفعة الدخل. ويبدو هذا منطقيًا في ضوء اختلاف التحديات؛ فالاقتصاد الأقل دخلًا قد يحتاج إلى بناء قاعدة إنتاجية متنوعة وخلق فرص عمل وتحسين قدرته على التصدير، ولذلك يكون نطاق القطاعات المستهدفة أوسع. أما الاقتصاد المتقدم، الذي يمتلك أصلًا قاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر رسوخًا، فيمكنه التركيز على عدد أقل من الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة أو الأهمية الاستراتيجية. وتظهر بيانات خطط التنمية، على سبيل المثال، أن الصناعات الزراعية والسياحة تحظى بأهمية كبيرة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، بينما تميل الاقتصادات مرتفعة الدخل إلى التركيز بصورة أكبر على الأنشطة ذات الأجور والإنتاجية المرتفعة.

ومن المهم هنا تجنب تفسير هذه الأرقام على أنها دليل على نجاح السياسة الصناعية في حد ذاتها. فوجود سياسة تستهدف صناعة معينة لا يعني أن هذه السياسة حققت أهدافها، كما أن ارتفاع حجم الدعم الحكومي لا يعني تلقائيًا ارتفاع الكفاءة الاقتصادية. وهذه نقطة مركزية في التقرير الجديد للبنك الدولي، الذي ينطلق من أن المشكلة الحقيقية ليست في مجرد وجود سياسة صناعية، وإنما في اختيار الأدوات المناسبة، وتحديد الأنشطة التي تستحق التدخل، وبناء المؤسسات القادرة على التنفيذ والمراقبة والتقييم.

وتزداد أهمية هذه المسألة في الاقتصادات النامية، حيث يمكن أن تتحول السياسة الصناعية بسهولة إلى حماية دائمة لصناعات غير قادرة على المنافسة إذا غابت معايير الأداء والمراجعة المستقلة. ولهذا فإن السياسة الصناعية الناجحة لا ينبغي أن تعني اختيار “رابحين” بصورة دائمة، وإنما إنشاء بيئة تسمح للأنشطة الواعدة بالنمو والتعلم واكتساب الإنتاجية، مع القدرة في الوقت نفسه على إنهاء الدعم عندما تثبت التجربة أن النشاط المستهدف لم يعد قادرًا على تحقيق النتائج المرجوة.

من الرسوم الجمركية إلى منظومة متكاملة من الأدوات
أحد أهم إسهامات تقرير البنك الدولي يتمثل في توسيع النظرة إلى أدوات السياسة الصناعية. فالتقرير يدرس 15 أداة مختلفة، موزعة على ثلاث مسارات واسعة: المدخلات العامة الموجهة، والحوافز السوقية، والتدخلات الاقتصادية الكلية. وهذا التصنيف يوضح أن السياسة الصناعية الحديثة أكثر تعقيدًا من الصورة التقليدية التي تختزلها في التعريفات الجمركية والدعم الحكومي.

وتشمل المدخلات العامة إنشاء المناطق والمجمعات الصناعية، وتطوير المهارات، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وبناء البنية التحتية للجودة. وهذه الأدوات تحظى بأهمية خاصة لأنها تعالج أحيانًا إخفاقات في السوق لا يستطيع القطاع الخاص وحده تجاوزها بسهولة؛ فالمجمع الصناعي قد يحل مشكلة التنسيق بين الشركات والبنية التحتية، بينما يمكن لبرامج التدريب أن تعالج نقص المهارات، ويمكن لخدمات المعلومات والوصول إلى الأسواق أن تخفف من فجوات المعرفة التي تعوق دخول الشركات إلى الأسواق الخارجية.

أما الحوافز السوقية فتشمل مجموعة أكثر تكلفة وحساسية من الأدوات، مثل التعريفات الجمركية، وقواعد المشتريات الحكومية، ومتطلبات المحتوى المحلي، وحظر تصدير بعض السلع، وترتيبات نقل التكنولوجيا، إلى جانب أنواع مختلفة من إعانات الإنتاج والابتكار والتصدير وتحفيز الطلب. ويرى التقرير أن اللجوء إلى هذه الأدوات ينبغي أن يكون أكثر حذرًا؛ لأنها قد تحمل تكلفة مالية مباشرة أو ترفع تكلفة الاقتصاد ككل أو تستدعي ردودًا من الشركاء التجاريين.

أما التدخلات الاقتصادية الكلية فتشمل، في الإطار الذي يدرسه التقرير، أدوات مثل تخفيض سعر الصرف التنافسي وائتمانات الضرائب للبحث والتطوير. وهنا أيضًا تبدو الرسالة أكثر تحفظًا من بعض الصياغات المتفائلة التي ظهرت في الخطاب العام حول السياسة الصناعية؛ فالتقرير يحذر من صعوبة الحفاظ على بعض التدخلات الكلية لفترات طويلة، كما يشير إلى الحاجة إلى مزيد من الأدلة لفهم متى تؤدي الحوافز العامة للبحث والتطوير إلى اختراعات ذات قيمة اقتصادية حقيقية.

ومن ثم، فإن السياسة الصناعية الحديثة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها دعوة مفتوحة إلى زيادة الإنفاق الحكومي، وإنما بوصفها عملية اختيار دقيقة للأداة المناسبة للمشكلة المناسبة. ففي بعض الحالات قد يكون الاستثمار في المهارات والبنية التحتية للجودة أكثر فاعلية وأقل تكلفة من فرض حماية جمركية، وفي حالات أخرى قد تكون هناك حاجة إلى حافز مؤقت للابتكار أو الإنتاج، لكن بشرط أن يكون مصحوبًا بمعايير أداء واضحة وإمكانية للمراجعة والتعديل.

القدرة الحكومية وحجم السوق والمساحة المالية
لا تستطيع جميع الدول تطبيق الأدوات نفسها، وهذه من أهم الرسائل التي يضعها التقرير في صميم التحليل. فثمة ثلاثة عوامل رئيسية تحدد ما تستطيع الدولة فعله بكفاءة: قدرة الحكومة على التنفيذ والتفاعل المستمر مع الشركات والقطاعات، وحجم السوق المحلي الذي يسمح بتحقيق اقتصاديات الحجم، والمساحة المالية المتاحة لتحمل تكاليف السياسة الصناعية من دون التضحية بالإنفاق الأساسي على الصحة والتعليم والخدمات العامة.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الدول النامية؛ إذ قد تكون الدولة راغبة في دعم عشرات القطاعات، لكنها لا تمتلك الجهاز الإداري القادر على متابعة هذه البرامج أو الميزانية التي تسمح بتمويلها. وفي هذه الحالة يمكن أن يتحول اتساع الطموح الصناعي إلى مصدر للهدر بدلًا من أن يكون وسيلة للنمو. لذلك يدفع التقرير باتجاه ترتيب الأولويات، والبدء بالأدوات التي تستطيع الدولة تنفيذها بكفاءة، وعلى رأسها المؤسسات القوية والمدخلات العامة الأساسية.

ويحذر البنك الدولي أيضًا من الاعتقاد بأن السياسات الصناعية ينبغي أن تنتهي آليًا بعد فترة زمنية قصيرة. فبعض المنافع، وخصوصًا تلك المرتبطة بالتعلم من خلال الممارسة وتحسين الإنتاجية، تحتاج إلى سنوات حتى تظهر. لكن هذا لا يعني استمرار الدعم إلى أجل غير مسمى؛ فالاستمرار ينبغي أن يرتبط بالأدلة، وبوجود تحسن ملموس، وبإمكان النشاط المدعوم أن يصبح قادرًا على المنافسة في المستقبل. وهكذا يصبح التحدي الحقيقي هو الجمع بين الصبر الاستراتيجي والانضباط المؤسسي، وليس الاختيار بينهما.

السياسة الصناعية والبيئة: فرصة حقيقية لكن بشروط
تتقاطع عودة السياسة الصناعية مع التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات، إلا أن الربط بين السياسة الصناعية والاستدامة البيئية يحتاج إلى قدر من الدقة العلمية. فليس كل دعم حكومي لصناعة جديدة سياسة مناخية، وليس كل مشروع صناعي أخضر بالضرورة مستدامًا على المدى الطويل. ومع ذلك، تستطيع السياسات الصناعية أن تؤدي دورًا مهمًا في معالجة بعض إخفاقات السوق المرتبطة بالتلوث والابتكار والتكنولوجيا النظيفة، خصوصًا عندما يكون العائد الاجتماعي للاستثمار أكبر من العائد الذي يستطيع المستثمر الخاص الحصول عليه وحده.
وفي هذا السياق يمكن للتقنيات الحيوية أن تصبح أحد المجالات الواعدة ضمن التحول الصناعي الأخضر، لا باعتبارها حلًا سحريًا، وإنما بوصفها مجموعة من التقنيات التي يمكن أن تدعم أهدافًا محددة عندما تتوافر لها البنية البحثية والتنظيمية والأسواق المناسبة. ويمكن أن تشمل التطبيقات تطوير مدخلات زراعية حيوية، وتحسين استخدام الموارد، وإنتاج مواد ومنتجات حيوية، وتطوير تقنيات للمعالجة الحيوية، والاستفادة من المخلفات الزراعية والصناعية في عمليات إنتاجية جديدة.

وتزداد أهمية هذا المسار في الدول العربية التي تواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالمياه والمناخ والأمن الغذائي وتنويع الاقتصادات. لكن تحويل الإمكانات العلمية للتقنية الحيوية إلى قطاع صناعي قادر على المنافسة يتطلب أكثر من إنشاء معامل أو إطلاق مبادرات منفردة؛ فهو يحتاج إلى منظومة مترابطة تشمل البحث والتطوير، والتمويل، والملكية الفكرية، والاختبارات والمعايير، والكوادر البشرية، والوصول إلى الأسواق، والقدرة على نقل الابتكار من المختبر إلى الصناعة.

ومن هنا يمكن النظر إلى الاقتصاد الدائري والتصنيع الحيوي باعتبارهما مجالين محتملين للتكامل بين السياسة الصناعية والسياسة البيئية. فالهدف ليس مجرد إعادة تدوير المخلفات، بل تطوير نماذج إنتاج تستخدم الموارد بكفاءة أكبر وتقلل الفاقد وتفتح أسواقًا جديدة للمواد والمنتجات الحيوية. غير أن نجاح هذه التطبيقات سيظل مرتبطًا بالجدوى الاقتصادية والتكنولوجية وبالتقييم البيئي الكامل لدورة حياة المنتجات، وليس بمجرد وصفها بأنها “خضراء”.

العالم العربي أمام اختبار مختلف
في المنطقة العربية، تبدو الحاجة إلى سياسة صناعية أكثر وضوحًا في ظل التفاوت الكبير بين الاقتصادات العربية من حيث حجم الأسواق، والموارد الطبيعية، والقدرة المالية، والبنية المؤسسية، ومستويات البحث والتطوير. ويؤكد أحدث تحليل للبنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أن السياسات الصناعية أصبحت أكثر حضورًا في المنطقة خلال العقد الأخير، وأنها ترتبط على نحو واضح بقضايا خلق الوظائف وتنمية رأس المال البشري وتنويع الاقتصادات. وتظهر مراجعة 19 خطة تنمية وطنية في المنطقة أن خلق فرص العمل كان هدفًا حاضرًا في جميع الخطط التي شملها التحليل، بينما ظهر تطوير رأس المال البشري في 18 خطة.

لكن هذا لا يعني أن المنطقة العربية تحتاج إلى نموذج صناعي واحد. فالاقتصاد النفطي مرتفع الدخل يواجه تحديات مختلفة عن اقتصاد متوسط الدخل يعتمد على الواردات الصناعية، بينما تختلف احتياجات الدول محدودة الموارد أو المتأثرة بالصراعات بصورة أكثر جوهرية. ولذلك فإن نقل تجربة دولة إلى أخرى بصورة آلية قد يكون أقل فائدة من بناء سياسة تتلاءم مع القدرات المؤسسية وحجم السوق والحيز المالي لكل اقتصاد.

وهنا يمكن أن يكون التعاون العربي الإقليمي أكثر أهمية من محاولة كل دولة بناء منظومة صناعية مكتفية بذاتها. فحجم بعض الأسواق الوطنية قد لا يسمح بتحقيق اقتصاديات الحجم اللازمة في الصناعات المتقدمة، بينما يمكن لسلاسل القيمة الإقليمية أن توسع قاعدة الطلب وتتيح توزيع مراحل الإنتاج والبحث والتطوير والخدمات اللوجستية بين عدة اقتصادات. ويمكن أن يكون ذلك مهمًا بصورة خاصة في قطاعات مثل الصناعات الغذائية والدوائية والتقنيات الحيوية والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية، شريطة أن يقوم التعاون على مزايا اقتصادية حقيقية وليس على تقسيم إداري للسوق.

الخط الفاصل الذي لا ينبغي تجاوزه
تثير عودة السياسة الصناعية أيضًا سؤالًا حساسًا حول مستقبل التجارة العالمية. فإذا استخدمت الحكومات الحوافز الصناعية بهدف رفع الإنتاجية وتجاوز إخفاقات السوق، فقد تحقق هذه السياسات فوائد اقتصادية واجتماعية واسعة. لكن إذا تحولت إلى سباق مفتوح على الدعم والحماية، فقد تتفاقم التشوهات التجارية وتزداد الفجوة بين الدول القادرة ماليًا على تقديم الإعانات وتلك التي لا تمتلك الموارد نفسها.

ولهذا فإن التحدي لا يكمن في الاختيار البسيط بين “السوق” و”الدولة”. فالأسواق تؤدي دورًا مركزيًا في تخصيص الموارد واختبار القدرة التنافسية، بينما تستطيع الحكومات معالجة بعض إخفاقات السوق وتوفير البنية الأساسية والمعرفة والمهارات التي لا يوفرها القطاع الخاص بالمستوى المطلوب. والسياسة الصناعية الأكثر نضجًا هي التي تعرف حدود كل طرف، وتستخدم التدخل الحكومي عندما تكون هناك مشكلة واضحة يمكن للتدخل معالجتها، بدلًا من تحويل الدولة إلى بديل دائم عن المنافسة.

وهذه الرسالة تبدو واضحة في تقرير البنك الدولي، الذي لا يقدم السياسة الصناعية باعتبارها وصفة عامة للحمائية، بل باعتبارها مجموعة أدوات ينبغي اختيارها وفق ظروف كل اقتصاد. فالحكومات ذات القدرات المؤسسية والأسواق الكبيرة والحيز المالي الواسع تمتلك مجالًا أكبر للتجريب، بينما تحتاج الاقتصادات ذات الموارد المحدودة إلى اختيار عدد أصغر من التدخلات الأكثر قابلية للتنفيذ.

من سياسة حماية الصناعات إلى هندسة القدرة على المنافسة
تكشف الموجة الجديدة من السياسات الصناعية أن الاقتصاد العالمي لا يعود ببساطة إلى نموذج قديم من تدخل الدولة، بل يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها التنمية الاقتصادية مع التكنولوجيا والأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد والتحول المناخي. وقد أظهر تقرير البنك الدولي لعام 2026 أن السياسة الصناعية أصبحت ممارسة عالمية بالفعل؛ فجميع الاقتصادات الـ183 التي جرى تحليل خططها الوطنية تستهدف صناعة واحدة على الأقل، بينما تختلف درجة التركيز وأهداف التدخل بصورة كبيرة باختلاف مستويات الدخل والقدرات المؤسسية.

لكن الدرس الأهم لا يتمثل في أن الدولة ينبغي أن تتدخل أكثر، وإنما في أن التدخل عندما يحدث يجب أن يكون أكثر ذكاءً وانضباطًا وقابلية للقياس. فالدعم الذي لا يرفع الإنتاجية، أو الحماية التي تؤجل الإصلاح، أو الحوافز التي تتحول إلى امتيازات دائمة، يمكن أن تصبح عبئًا على الاقتصاد بدلًا من أن تكون محركًا له. وفي المقابل، يمكن للاستثمار في المهارات والبنية التحتية والجودة والابتكار والوصول إلى الأسواق أن يبني قدرات إنتاجية تستمر بعد انتهاء البرنامج الحكومي.

وبالنسبة إلى العالم العربي، فإن المسألة تتجاوز اختيار القطاعات التي تستحق الدعم إلى بناء المؤسسات التي تستطيع اكتشاف الفرص وتقييم النتائج والتراجع عن السياسات الفاشلة في الوقت المناسب. ويظل الاستثمار في البحث العلمي ورأس المال البشري والتقنيات الحيوية والطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري من المجالات التي يمكن أن تكتسب أهمية متزايدة، لكن قيمتها الحقيقية لن تظهر إلا عندما تنتقل من الخطط والشعارات إلى منظومات إنتاجية قادرة على المنافسة وخلق الوظائف وإضافة القيمة.

إن مستقبل السياسة الصناعية لن تحدده كثرة الصناعات التي تستهدفها الحكومات، ولا حجم الأموال التي تنفقها، بل قدرتها على تحويل التدخل العام إلى إنتاجية وابتكار وقدرة تنافسية واستدامة. وفي عالم يتغير فيه الاقتصاد والتكنولوجيا والمناخ في وقت واحد، قد تكون المهمة الأهم أمام صناع القرار هي بناء اقتصاد يستطيع أن يتعلم ويتكيف، لا مجرد اقتصاد يحصل على الحماية. وهذه، في جوهرها، هي الهندسة الجديدة للتحول الاقتصادي العالمي.

المراجع الأساسية:
تقرير البنك الدولي Industrial Policy for Development: Approaches in the 21st Century، الصادر عام 2026، وملحق بياناته ومصادره القابلة لإعادة الإنتاج، إلى جانب أحدث تحليل للبنك الدولي للسياسة الصناعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان.
هاشتاجات:
#السياسة_الصناعية – #التنمية_المستدامة – #البنك_الدولي – #الاقتصاد_الأخضر – #التقنية_الحيوية – #النمو_الاقتصادي – #سلاسل_الإمداد – #الأمن_البيئي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل

(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

أنهار من البلاستيك تكشف الوجه الخفي لأزمة التلوث البحري

من شاطئ بورسعيد إلى أعماق المحيطات.. بحرنا مسؤوليتنا.. ولكن من أين يبدأ البحر؟ شبكة بيئة …

اترك تعليقاً