استدامة الذكاء الاصطناعي في عصر الحوسبة الكمومية من كفاءة الطاقة إلى استدامة السيطرة

 

شبكة بيئة ابوظبي، الدكتورة ماجدة محمود، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، 01 أكتوبر 2026
لم تعد الاستدامة في القرن الحادي والعشرين قضية مرتبطة بحماية الموارد الطبيعية والحد من التلوث وتغير المناخ فحسب، بل أصبحت مرتبطة كذلك بقدرتنا على إدارة التقنيات التي تتوسع داخل مختلف مجالات الحياة.

فالتنمية المستدامة، وفق أجندة الأمم المتحدة 2030، تقوم على التكامل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتشمل أهدافًا تتصل بالطاقة النظيفة، والصناعة والابتكار، والمدن المستدامة، والاستهلاك والإنتاج المسؤولين، والعمل المناخي، والمؤسسات الفعالة. كما تؤكد أهداف التنمية المستدامة أهمية التكنولوجيا والابتكار والبيانات بوصفها من وسائل تحقيق التنمية المستدامة. [1]

ومن هنا يبرز سؤال جديد مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي: هل يمكن أن نحافظ على استدامة الإنسان والبيئة في الوقت الذي تتزايد فيه القدرة الحسابية للآلات، وتتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي نحو مزيد من الاستقلالية؟

يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ إذ يمكن استخدامه في تحسين كفاءة شبكات الطاقة، وإدارة المياه، وتحسين النقل والخدمات اللوجستية، ودعم الزراعة، وتحليل البيانات المناخية، والتنبؤ بالمخاطر البيئية.

لكن الوجه الآخر للتطور هو أن تشغيل النماذج الكبيرة وتدريبها يحتاج إلى بنية تحتية حاسوبية كثيفة الاستهلاك للطاقة والمياه، مع تزايد الضغط على شبكات الكهرباء ومراكز البيانات. وقد تناولت دراسة حديثة منشورة في Nature Reviews Clean Technology الآثار البيئية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ومنها استهلاك الطاقة والمياه والضغط على شبكات الكهرباء والانبعاثات المرتبطة بمراكز البيانات. [2]

وهكذا تظهر مفارقة مهمة: التقنية التي نستخدمها لتحقيق الاستدامة قد تحتاج هي نفسها إلى أن تصبح أكثر استدامة.
عندما يصبح السؤال: هل نستطيع السيطرة على ما صنعناه؟
تتجاوز القضية الآن استهلاك الطاقة إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بالحوكمة والسلامة.
فمع تطور الأنظمة القادرة على تنفيذ المهام بصورة أكثر استقلالية، وظهور أبحاث تتناول إمكانية التحسين الذاتي للأنظمة، أصبح من الضروري تطوير وسائل أكثر تقدمًا لفهم سلوك هذه الأنظمة واختبارها ومراقبتها.

ولا يعني ذلك أن فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي أمر حتمي، ولا أن عام 2027 يمثل موعدًا محددًا لذلك. وإنما يشير إلى ضرورة الاستعداد العلمي والتقني والحوكمي لمرحلة قد تصبح فيها الأنظمة أكثر تعقيدًا واستقلالية.

ومن هنا لم يعد السؤال فقط: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة؟
بل أصبح أيضًا: كيف نجعله أكثر قابلية للفهم والاختبار والرقابة؟
وهنا تبدأ صلة هذه القضية بمفهوم الاستدامة.

من استدامة الموارد إلى استدامة السيطرة
يمكن توسيع مفهوم الاستدامة ليشمل ما يمكن تسميته “استدامة السيطرة التقنية”.
والمقصود بها الحفاظ على قدرة الإنسان والمؤسسات على فهم سلوك الأنظمة الذكية، واختبارها بصورة مستقلة، ومراقبة عملياتها، واكتشاف الانحرافات والمخاطر مبكرًا، والتدخل في الحالات الخطرة، وإيقاف الأنظمة عند الضرورة، ومراجعة أهدافها ونتائجها بصورة مستمرة.

وهذا يتفق مع جوهر التنمية المستدامة؛ فالاستدامة لا تعني استمرار النظام بأي ثمن، وإنما تعني استمرار التنمية بطريقة لا تقوض قدرة الأجيال القادمة على تحقيق احتياجاتها.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي يمكن أن نضيف إلى ذلك: ألا يؤدي التطور التقني إلى تقويض قدرة الإنسان على توجيه هذا التطور.

أين يمكن أن تدخل الحوسبة الكمومية؟
هنا تبرز الحوسبة الكمومية، ولكن ينبغي التعامل معها علميًا بعيدًا عن التصورات التي تقدمها باعتبارها حلًا سحريًا لمشكلة الذكاء الاصطناعي.
فالحوسبة الكمومية لا تعني مجرد حاسوب تقليدي أسرع، وإنما تعتمد على مبادئ فيزياء الكم، وتستخدم الكيوبتات بدل البتات التقليدية، وقد تتيح في المستقبل التعامل بكفاءة أكبر مع فئات معينة من المسائل الحسابية، خصوصًا مسائل التحسين والمحاكاة والبحث في فضاءات حلول معقدة.

وتشير الدراسات الحديثة إلى اهتمام متزايد بإمكانات الحوسبة الكمومية في قضايا الاستدامة، وفي تحسين أنظمة الطاقة والنقل واللوجستيات وتخصيص الموارد.
لكن من المهم أيضًا عدم افتراض أن الحوسبة الكمومية ستكون تلقائيًا أكثر استدامة من الحوسبة التقليدية؛ فالأبحاث الحديثة تدرس هي الأخرى احتياجاتها المستقبلية من الطاقة والمياه والموارد، خاصة عند التوسع إلى أنظمة كمومية واسعة النطاق. [3] ومن هنا يمكن أن تصبح الحوسبة الكمومية جزءًا من منظومة الاستدامة الرقمية من خلال ثلاثة مسارات رئيسية.

أولًا: تحسين كفاءة استخدام الطاقة
تستهلك أنظمة الذكاء الاصطناعي موارد حاسوبية وطاقة كبيرة، ولذلك أصبح تحسين الخوارزميات واختيار البنية الأكثر كفاءة جزءًا من مفهوم الذكاء الاصطناعي المستدام.
ويمكن للحوسبة الكمومية، أو الخوارزميات المستوحاة من مبادئها، أن تسهم مستقبلًا في معالجة بعض مسائل التحسين المعقدة، بما قد يساعد على تقليل الموارد الحسابية اللازمة لبعض التطبيقات.

ولا يعني ذلك أن الحاسوب الكمومي أصبح بديلًا عامًا للحواسيب التقليدية في تدريب الذكاء الاصطناعي، وإنما يعني أن هناك مجالًا بحثيًا واعدًا لدراسة التكامل بين الحوسبة التقليدية والكمومية في المسائل التي تكون فيها الأساليب الكمومية مناسبة.

ثانيًا: تحسين الأنظمة المعقدة
تظهر مسائل التحسين في شبكات الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد وتوزيع الموارد وإدارة البنية التحتية.
وهذه المسائل قد تستفيد مستقبلًا من الخوارزميات الكمومية عندما تصبح الأجهزة الكمومية قادرة على تنفيذها بكفاءة عملية.
وهنا لا يكون الهدف مجرد زيادة سرعة الحاسوب، وإنما الوصول إلى حلول أكثر كفاءة في استخدام الموارد، وهو ما يربط الحوسبة المتقدمة بأهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالطاقة والصناعة والابتكار والعمل المناخي.

ثالثًا: تعزيز أمن البنية الرقمية
هناك جانب آخر أكثر دقة يتعلق بالأمن السيبراني.
فالحوسبة الكمومية نفسها قد تمثل في المستقبل تحديًا لبعض أنظمة التشفير الحالية، ولذلك يعمل المجتمع العلمي على تطوير ما يسمى “التشفير ما بعد الكم”، أي خوارزميات تشفير مصممة لمقاومة التهديدات التي قد تنتج عن حواسيب كمومية قوية.

وقد أصدرت NIST ثلاثة معايير نهائية للتشفير ما بعد الكم، وتوصي المؤسسات بالبدء في الانتقال إلى تقنيات التشفير المقاومة للتهديدات الكمومية قبل أن تصبح الحواسيب الكمومية القوية قادرة على تهديد أنظمة التشفير الحالية. [4] ومن ثم، فإن الحوسبة الكمومية لا تدخل في منظومة استدامة الذكاء الاصطناعي فقط باعتبارها وسيلة محتملة لتحسين الحساب، وإنما باعتبارها أيضًا جزءًا من إعادة تصميم أمن البنية الرقمية المستقبلية.

التوأم الرقمي: مساحة اختبار قبل العالم الحقيقي
وهنا يظهر مفهوم آخر يمكن أن يربط بين الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والاستدامة: التوأم الرقمي.
فالتوأم الرقمي هو نموذج رقمي لنظام أو كيان حقيقي، يمكن استخدامه للمحاكاة والمراقبة والتحليل.
ويمكن مستقبلًا تصور استخدام التوأم الرقمي لإنشاء بيئة اختبار للأنظمة المعقدة قبل تطبيق القرارات على العالم الحقيقي.

فعلى سبيل المثال، يمكن إنشاء توأم رقمي لشبكة كهرباء أو مدينة أو منظومة مياه، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل السيناريوهات المختلفة، والاستفادة من تقنيات التحسين المتقدمة، بما فيها التقنيات الكمومية عندما تصبح مناسبة وفعالة، لاختيار حلول أكثر كفاءة.

وهنا تتشكل منظومة متكاملة:
العالم الحقيقي
التوأم الرقمي
الذكاء الاصطناعي
الحوسبة الكمومية والخوارزميات الكمومية
المحاكاة والتحسين
القرار البشري
والعنصر الأخير هو الأكثر أهمية.

الإنسان ليس خارج المنظومة
قد يبدو الحديث عن الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية وكأن المستقبل يتجه نحو أنظمة تحل محل الإنسان، لكن منظور الاستدامة يقودنا إلى نتيجة مختلفة.
فالإنسان ليس مجرد مورد داخل المنظومة التقنية، بل هو الطرف الذي يحدد الغاية، ويضع الحدود، ويقيّم النتائج، ويتحمل المسؤولية.

ومن هنا فإن أي نموذج للاستدامة التقنية يجب أن يحافظ على الإنسان بوصفه صاحب القرار في القضايا التي تتطلب حكمًا أخلاقيًا أو اجتماعيًا أو بيئيًا.
وتزداد أهمية هذا المبدأ كلما ازدادت استقلالية الأنظمة.
فالقضية ليست في أن تكون الآلة ذكية، وإنما في أن تكون هذه القدرة الذكية موجهة نحو غايات بشرية قابلة للمراجعة والمساءلة.

2027: عام للاستعداد وليس للتنبؤ
يُطرح عام 2027 أحيانًا في النقاشات العامة بوصفه أفقًا زمنيًا لتسارع قدرات الذكاء الاصطناعي، لكن العلم لا يتيح لنا تحديد عام بعينه بوصفه موعدًا لفقدان السيطرة.

والأكثر مسؤولية هو النظر إلى السنوات القادمة باعتبارها فترة ينبغي خلالها تطوير اختبارات مستقلة للأنظمة، ومعايير للسلامة، وآليات للرقابة البشرية، وتشفير مقاوم للتهديدات الكمومية، ونماذج أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وأطر قانونية وأخلاقية واضحة.
وبذلك يصبح الاستعداد للمستقبل جزءًا من الاستدامة نفسها.

نحو مفهوم جديد للاستدامة
ربما نحتاج اليوم إلى توسيع تعريف الاستدامة.
ففي القرن الماضي كان السؤال الأساسي:
كيف نحافظ على موارد الأرض؟
وفي عصر التحول الرقمي أصبح السؤال:
كيف نحافظ على موارد الأرض والبيانات والطاقة والبنية الرقمية؟
أما في عصر الذكاء الاصطناعي المتقدم والحوسبة الكمومية، فينبغي أن نضيف سؤالًا ثالثًا:

كيف نحافظ على قدرة الإنسان على توجيه الأنظمة التي صنعها؟
وهنا يمكن أن تصبح استدامة السيطرة أحد المفاهيم الجديدة في فلسفة التنمية المستدامة.
فالتكنولوجيا المستدامة ليست بالضرورة التكنولوجيا التي تستهلك طاقة أقل فقط، وإنما التكنولوجيا التي تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية، وتحافظ في الوقت نفسه على الأمن والشفافية والمساءلة والقدرة البشرية على التدخل.

خاتمة
إن المستقبل المستدام لن يتحقق بمجرد امتلاك حواسيب أكثر سرعة أو ذكاء اصطناعي أكثر قدرة أو حواسيب كمومية أكثر تطورًا.
بل يتحقق عندما تتكامل هذه التقنيات ضمن منظومة يكون هدفها تحسين حياة الإنسان وحماية البيئة وتعزيز كفاءة الموارد، مع بقاء الإنسان قادرًا على فهم النظام ومراجعته وتوجيهه وإيقافه عند الضرورة.
ومن هنا يمكن أن تتحول الحوسبة الكمومية من مجرد ثورة في طريقة الحساب إلى أحد مكونات البنية المستقبلية للاستدامة، من خلال تحسين الموارد، ودعم المحاكاة، وتطوير الأمن الرقمي، والمساعدة في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة.
لكنها لن تكون وحدها كافية.
فالاستدامة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى معادلة أوسع:
ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة
* حوسبة متقدمة أكثر قدرة
* أمن رقمي أقوى
* حوكمة مسؤولة
* إنسان يحتفظ بالقدرة على التوجيه
= استدامة تقنية وإنسانية أكثر شمولًا.
وهكذا لا يصبح السؤال: هل سيسيطر الذكاء الاصطناعي على المستقبل؟
بل السؤال الأكثر أهمية:
هل سنبني مستقبلًا تكون فيه قوة التكنولوجيا متناسبة مع قدرتنا على توجيهها؟
وهذه، في جوهرها، ليست قضية تقنية فقط، وإنما قضية استدامة الإنسان نفسه.

المراجع
1. الأمم المتحدة. أهداف التنمية المستدامة: أجندة التنمية المستدامة 2030. الأمم المتحدة، 2015.
2. Chien, A. A., Gupta, U., Ren, S., Sriraman, A., & Tomlinson, B. et al. “Strategies and design for increasing AI sustainability.” Nature Reviews Clean Technology, Vol. 2, 2026, pp. 624-638. DOI: 10.1038/s44359-026-00195-w.
3. McCollum, D. L., Sharma, N., Pan, M., Yao, W., Bhanja, S., Chehade, S., & Delgado, A. “Uncertain quantum computing futures and potential energy and physical resource impacts at scale.” Renewable and Sustainable Energy Transition, Vol. 9, 2026, Article 100140. DOI: 10.1016/j.rset.2026.100140.
4. National Institute of Standards and Technology (NIST). Post-Quantum Cryptography. U.S. Department of Commerce, 2026.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

دور الذكاء الاصطناعي في الحفاظ على التراث والهوية الثقافية ودعم التنمية المستدامة

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتورة آية سالم، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، بالتعاون مع …

اترك تعليقاً