من تعدد الزوايا إلى اتساع الرؤية المؤسسية
شبكة بيئة ابوظبي، د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، واستشراف المستقبل 02 أكتوبر 2026
تستكمل هذه المقالة الجزء الأول من «القيادة بالتجانس مقابل التميز بالتنوع المعرفي»، بالانتقال من بيان أهمية تعدد الزوايا في توسيع رؤية القيادة إلى بحث الكيفية التي تستطيع بها المؤسسة تحويل هذا التنوع إلى قيمة فعلية في فهم المشكلات وصناعة القرار.
قد يمنح التجانس الفريق سرعة في التفاهم وسهولة في التنسيق، لكنه قد يضيّق في الوقت نفسه الزوايا التي تُقرأ منها المشكلة. وفي المقابل، يستطيع التنوع المعرفي أن يوسع مجال الرؤية بما يحمله أعضاء الفريق من خبرات ومعارف وطرائق مختلفة في التفكير، غير أن وجود هذه الزوايا المختلفة حول طاولة واحدة لا يضمن أن تتحول تلقائياً إلى رؤية أفضل أو قرار أكثر جودة، فكلما اتسع الاختلاف في طرق قراءة المشكلة، ظهرت أمام القيادة فرصة لرؤية أبعاد لم تكن ظاهرة من قبل، لكن هذه الفرصة تحمل معها تحدياً آخر: كيف تستفيد المؤسسة من هذا الاختلاف من دون أن تفقد قدرتها على بناء فهم مشترك والعمل باتجاه واحد؟
وهنا تنتقل القضية من وجود التنوع إلى إدارة قيمته، فالمطلوب ليس أكبر قدر ممكن من الاختلاف، كما أن المطلوب ليس العودة إلى التجانس بحثاً عن سهولة الاتفاق، وإنما بناء فرق تجمع بين الكفاءة وتعدد المنظورات، وتستطيع في الوقت نفسه تحويل هذه المنظورات إلى مادة حقيقية لفهم المشكلة وصناعة القرار.
ومن هذا المنطلق يصبح التحدي القيادي في تحقيق التوازن بين اتساع المجال المعرفي وقدرة الفريق على العمل المشترك: تحديد التنوع الذي يضيف زوايا ذات قيمة للمشكلة، واختيار من يدخل دائرة القرار على أساس التكامل بين العقول التي تحتاجها المشكلة، لا على أساس التفوق الفردي وحده.
وتشير الخبرة البحثية التطبيقية كذلك إلى هذه العلاقة، فقد عرض (Alison Reynolds) و (David Lewis) في Harvard Business Review عام 2017 نتائج خبرتهما البحثية في تطبيق تمرين لتنفيذ الاستراتيجية على فرق تواجه مواقف جديدة ومعقدة وغير مؤكدة، وبعد ملاحظة اختلافات كبيرة في أداء الفرق، قاسا التنوع المعرفي لدى مجموعة من الفرق من خلال اختلاف طرائق معالجة المعرفة والنظر إلى المواقف الجديدة، وقد أظهر التحليل ارتباطاً بين ارتفاع التنوع المعرفي وتحسن أداء الفرق في حل المشكلة، وتدعم هذه النتيجة فكرة أن قوة الفريق لا ترتبط فقط بمستوى خبرة أفراده، بل أيضاً باختلاف الطرق التي يقرأون بها المشكلة ويبحثون من خلالها عن الحل.
لكن التنوع المعرفي ليس قيمة مطلقة أيضاً، وهنا يجب ألا نقع في الطرف المقابل من الخطأ، فجمع أكبر عدد ممكن من الأشخاص المختلفين لا ينتج تلقائياً فريقاً أفضل، وقد أظهرت دراسة أجراها (Aggarwal) و(Woolley) و(Chabris) و(Malone)، شملت 98 فريقاً أن العلاقة بين تنوع الأنماط المعرفية والذكاء الجماعي اتخذت شكلاً منحنياً مقلوباً، بما يشير إلى أن المستويات المرتفعة من التنوع المعرفي قد تخلق تحديات في التنسيق والفهم المشترك، وهذا يعني أن قيمة التنوع لا تكمن في زيادته بلا حدود، بل في تحقيق قدر منه يوسع زوايا التفكير دون أن يفقد الفريق قدرته على بناء فهم مشترك والعمل معاً.
وهنا يبرز تمييز مهم بين التنوع المعرفي والذكاء الجماعي. فالتنوع المعرفي يتعلق بوجود اختلاف حقيقي في المعرفة والخبرة وطرائق تفسير المشكلة داخل الفريق، بينما يتعلق الذكاء الجماعي بقدرة هذا الفريق على دمج ما يمتلكه أعضاؤه وتحويله إلى أداء جماعي يتجاوز ما يستطيع كل فرد تحقيقه منفرداً، وبذلك يسبق التنوع المعرفي، منطقياً، سؤال الاستفادة الجماعية منه: فقبل أن تبحث المؤسسة في قدرتها على دمج العقول المختلفة، تحتاج أولاً إلى التأكد من أن هذه العقول تقدم بالفعل زوايا مختلفة لرؤية المشكلة.
التنوع المعرفي يوفر تعدد الزوايا، أما الذكاء الجماعي فيحدد قدرة الفريق على الاستفادة منها.
ولهذا قد تمتلك المؤسسة الأول وتفشل في الثاني، فقد تجمع مهندساً واقتصادياً وقانونياً ومتخصصاً في البيانات وخبيراً في تجربة المتعامل، ثم تجعل طريقة العمل بينهم ضعيفة إلى درجة لا تسمح بتكامل معارفهم، والعكس ممكن أيضاً: قد يمتلك الفريق قدرة ممتازة على التعاون والتنسيق، لكنه يتكون من أشخاص متشابهين معرفياً، فيعملون معاً بكفاءة عالية داخل مجال رؤية ضيق.
ولا ينبغي كذلك الخلط بين التنوع المعرفي والتعاون، فالتعاون يتعلق بكيفية عمل الأفراد والوحدات معاً وتنسيق جهودهم، بينما يتعلق التنوع المعرفي بطبيعة المعرفة والمنظورات وطرائق التفكير الموجودة أصلاً داخل هذا العمل المشترك. فقد تتعاون مجموعة متجانسة تعاوناً ممتازاً، وتنسق أعمالها بكفاءة عالية، لكنها تظل ترى المشكلة من زاوية واحدة. ولذلك فإن جودة التعاون لا تعني بالضرورة اتساع المجال المعرفي للفريق.
ولا ينبغي كذلك الخلط بين التنوع المعرفي والاختلاف المستمر، فالغاية ليست أن يعارض كل عضو الآخرين، ولا أن يتحول الاجتماع إلى استعراض للآراء، بل أن تمتلك المؤسسة قبل اتخاذ القرار مجالاً معرفياً واسعاً بما يكفي لاختبار المشكلة من زوايا متعددة، بعد ذلك يمكن للفريق أن يصل إلى قرار واحد ويلتزم به الجميع.
ومن هذا المنظور، قد لا يكون جمع أصحاب أعلى الكفاءات الفردية وحده كافياً في القضايا المعقدة، فالقيمة لا تتحدد فقط بما يعرفه كل عضو، وإنما أيضاً بما يضيفه إلى المجال الذي يفكر من خلاله الفريق، فإذا كانت المعارف عالية ولكن طرائق تفسيرها متشابهة، فقد تظل القيادة تدور داخل الحدود نفسها، أما عندما تجتمع الكفاءة مع اختلاف حقيقي في المنظورات، فإن المشكلة تصبح قابلة للقراءة من أكثر من اتجاه، وتزداد احتمالات اكتشاف بدائل لم تكن ظاهرة من زاوية واحدة.
وهنا يتضح أن التنوع المعرفي لا ينافس الكفاءة، بل يمنع الكفاءة المتشابهة من أن تتحول إلى حدود غير مرئية لرؤية القيادة.
كما أن وجود التنوع المعرفي داخل الفريق لا يعني بالضرورة أن أثره سيظهر في النقاش وصناعة القرار، فقد تضم المؤسسة أشخاصاً يرون المشكلة بطرائق مختلفة، لكن البيئة القيادية أو الثقافة السائدة قد لا تمنح هذه الاختلافات مساحة كافية للظهور والتعبير، ولذلك فإن بناء التنوع المعرفي يتعلق أولاً بوجود الزوايا المختلفة داخل دائرة القرار، بينما تتعلق الاستفادة منها بقدرة المؤسسة على إتاحة المجال لهذه الزوايا كي تظهر وتُناقش قبل الوصول إلى القرار.
قد يكون التنوع موجوداً، لكن الصمت يلغيه، وقد تكون حرية الكلام موجودة، لكن التجانس يجعل الجميع يقولون الشيء نفسه.
ولهذا لا يبدأ التنوع المعرفي في اجتماع اتخاذ القرار، بل قبل ذلك بكثير، عند تشكيل الفريق نفسه، فالقيادة التي تريد توسيع مجال رؤيتها تحتاج إلى التفكير فيمن يدخل دوائر القرار، وكيف تختار أعضاء اللجان والفرق الاستراتيجية، وهل تعتمد دائماً على الخبراء أنفسهم، وهل توجد تخصصات أو مستويات تنظيمية أو خبرات ميدانية لا تصل رؤيتها إلى المستويات العليا.
وقد يكون الموظف الأقرب إلى المتعامل يرى شيئاً لا يراه المدير، وقد يرى متخصص البيانات نمطاً لا يظهر للخبير التشغيلي، وقد يلتقط القانوني مخاطرة لا يلاحظها المصمم، بينما يستطيع موظف جديد أن يسأل سؤالاً لم يعد أصحاب الخبرة يسألونه لأنهم اعتادوا طريقة العمل القائمة.
ولا يعني ذلك أن كل رأي متساوٍ في القيمة، فالتنوع المعرفي لا يلغي الخبرة ولا المعايير المهنية، بل يجعل المؤسسة أكثر قدرة على وضع الخبرة المتخصصة إلى جانب خبرات أخرى حتى لا تتحول زاوية واحدة، مهما كانت قوية، إلى تعريف كامل للواقع.
ومن هنا فإن اختيار «أفضل الأشخاص» يحتاج نفسه إلى إعادة نظر، فإذا اختارت القيادة خمسة أشخاص لأن كل واحد منهم هو الأفضل وفق معيار واحد، فقد تحصل في بعض الحالات على خمسة عقول متقاربة في الأدوات التي صنعت تفوقها، أما إذا كانت المشكلة معقدة، فقد تكون القيمة الأكبر في بناء فريق يجمع بين مستوى مرتفع من الكفاءة وتكامل حقيقي في المنظورات وطرائق التفكير.
فالمؤسسة لا تحتاج فقط إلى أفضل عقل في كل مقعد، بل إلى أن تكون المقاعد مجتمعة قادرة على رؤية مساحة أوسع من المشكلة.
وهنا يصبح دور القائد مختلفاً، فبدلاً من أن يسأل فقط: من أكثر الأشخاص خبرة في هذا الموضوع؟ يمكن أن يضيف: ما الزاوية غير الموجودة في هذا الفريق؟ ومن يستطيع أن يرى المشكلة بطريقة مختلفة؟ وما المعرفة التي لا تصل عادة إلى هذه الطاولة؟ ومن يتأثر بالقرار ولا يمثل منظوره في صناعته؟
هذه الأسئلة تحول التنوع المعرفي من قيمة عامة إلى ممارسة قيادية، كما تمنع القائد من الوقوع في فخ آخر: البحث عن المختلف شكلياً مع الإبقاء على التشابه فكرياً، فقد يبدو الفريق متنوعاً في السير الذاتية، لكن أعضاءه تلقوا التعليم نفسه، وعملوا في المؤسسات نفسها، وترقوا عبر المسارات نفسها، ويستخدمون الأدوات نفسها في تحليل المشكلات.
لذلك لا يكفي أن تنظر القيادة إلى «من هم الأشخاص»، بل تحتاج أيضاً إلى فهم «كيف يفكرون».
وإذا استمر التشابه في طرائق التفكير داخل دوائر القيادة، تصبح «مرآة التشابه القيادي» أكثر خطورة، فإذا أصبح كل من يحيط بالقائد يفكر مثله، فقد لا تفقد القيادة الرأي الآخر في الاجتماع الحالي فقط، بل قد تفقد المؤسسة تدريجياً قدرتها على إنتاج هذا الرأي أصلاً، ومع التعيين والترقية والتعلم الاجتماعي، تنتقل طريقة التفكير السائدة من دائرة القيادة إلى مستويات أوسع، فيتحول التجانس من صفة فريق إلى ثقافة مؤسسية، وعندها لا تحتاج المؤسسة إلى قائد يفرض على الجميع رأيه، لأن الجميع أصبحوا يتعلمون كيف يرون الواقع بالطريقة نفسها.
لذلك فإن التميز بالتنوع المعرفي لا يقاس بعدد الأصوات المختلفة في الاجتماع، بل بقدرة المؤسسة على الحفاظ على مجال معرفي واسع يستطيع أن يرى المشكلة من أكثر من زاوية، ثم يضع هذه الزوايا أمام القيادة قبل أن يتحول أحدها إلى قرار.
وهنا تظهر المساهمة المفهومية للموضوع بوضوح: كلما ازداد «ضيق المجال المعرفي القيادي»، تقلص الجزء من الواقع الذي تستطيع القيادة رؤيته، حتى لو ازدادت كمية المعلومات التي تصل إليها، فقد تكون التقارير دقيقة والبيانات كثيرة والخبرات عالية، لكن الجميع يقرأها من المنظور نفسه.
فالخطر ليس دائماً في نقص المعلومات، بل أحياناً في نقص الطرق التي نفسر بها المعلومات.
ولهذا فإن المؤسسة الأكثر نضجاً ليست التي تبحث عن الانسجام بإزالة الاختلاف، ولا التي تبحث عن الاختلاف بإضعاف الانسجام، بل التي تبني فرقاً تجمع الكفاءة مع تنوع المنظورات، وتخلق بينها لغة مشتركة تسمح لهذه الزوايا المختلفة بأن تدخل فعلياً في فهم المشكلة وصناعة القرار
»لا تتسع رؤية القيادة بكثرة من يجلسون حولها، بل باختلاف الزوايا التي يستطيعون أن يروا الواقع من خلالها. «
القيادة بالتجانس، التنوع المعرفي، التميز بالتنوع المعرفي، تكامل المنظورات، فرق القيادة، صناعة القرار، الكفاءة الفردية، الاختلاف المعرفي، ضيق المجال المعرفي القيادي.
(*) د. أنيس رزوق
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.
1. Reynolds, A., & Lewis, D. (2017, March 30). Teams solve problems faster when they’re more cognitively diverse. Harvard Business Review.
https://hbr.org/2017/03/teams-solve-problems-faster-when-theyre-more-cognitively-diverse
2. Aggarwal, I., Woolley, A. W., Chabris, C. F., & Malone, T. W. (2019). The impact of cognitive style diversity on implicit learning in teams. Frontiers in Psychology, 10, Article 112.
https://doi.org/10.3389/fpsyg.2019.00112
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز