المدن الذكية… هل تكفي لمواجهة أزمة المناخ؟ (02 – 02)

دراسة مقارنة لنماذج حضرية رائدة عالمياً في التحول الذكي والمناخي

شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 15 أغسطس/ غشت 2026

المحور السادس: نحو مفهوم «المدينة الذكية المناخية «
استناداً إلى الأدبيات والمقارنة الدولية، تقترح هذه الدراسة توسيع مفهوم المدينة الذكية ليصبح »المدينة الذكية المناخية«، وهي المدينة التي تستخدم البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار لتحقق في الوقت نفسه خفض الانبعاثات، والتكيف مع المخاطر المناخية، وكفاءة استخدام الموارد، والعدالة الاجتماعية، وتحسين جودة الحياة.

ويتميز هذا المفهوم عن مفهوم المدينة الذكية التقليدية بأن معيار النجاح لا يتمثل في مستوى الرقمنة، بل في الأثر المناخي والاجتماعي الناتج عن الرقمنة. ويتطلب ذلك بناء منظومة قياس تجمع بين مؤشرات الخدمات وجودة الحياة، ومؤشرات الذكاء، ومؤشرات المرونة، ومؤشرات المناخ (ISO, 2019a, 2019b; ISO, 2024).

ويمكن، لأغراض البحث والتطبيق، بناء سبعة محاور رئيسية للمدينة الذكية المناخية: الانبعاثات والكربون، والطاقة، والمياه، والتنقل، والطبيعة والتنوع البيولوجي، والاقتصاد الدائري، والحكامة والمشاركة. وتسمح هذه المحاور بانتقال التقييم من قياس «المدخلات التقنية» إلى قياس «النتائج المناخية والاجتماعية».

المحور السابع: نحو نموذج مغربي للمدينة الذكية المناخية
لا يمكن للمغرب أن يستنسخ نماذج كوبنهاغن أو سنغافورة أو أمستردام أو برشلونة بصورة حرفية، لأن لكل مدينة سياقها الجغرافي والاقتصادي والمؤسسي والمناخي. فالمدن المغربية تواجه تحديات خاصة، في مقدمتها الإجهاد المائي، وموجات الحرارة، والفيضانات المفاجئة، وتلوث الهواء، والنمو الحضري، والطلب المتزايد على الطاقة والنقل.

لذلك ينبغي أن يقوم النموذج المغربي على توظيف التكنولوجيا في مواجهة المشكلات المحلية الأكثر إلحاحاً. ففي مجال المياه يمكن تطوير العدادات الذكية وأنظمة الكشف عن التسرب وإعادة استعمال المياه العادمة والري الذكي، وربط ذلك بتخطيط مائي حضري طويل الأجل. وفي مجال الحرارة يمكن تطوير خرائط حرارية حضرية باستخدام الاستشعار عن بعد والبيانات المناخية، وتوجيه التشجير والممرات الخضراء والأسطح العاكسة نحو المناطق الأكثر تعرضاً للحرارة.

أما في قطاع النقل، فيمكن توظيف البيانات الرقمية لتحسين النقل العمومي، ودعم الحافلات الكهربائية، وتطوير أنظمة النقل المتعدد، وتشجيع المشي والدراجات. وفي مجال الطاقة يمكن الجمع بين كفاءة المباني والطاقة الشمسية فوق الأسطح والشبكات الذكية وتخزين الكهرباء.

وفي مواجهة الفيضانات والحرائق، يمكن تطوير منصات حضرية للإنذار المبكر تعتمد على الاستشعار عن بعد والبيانات المناخية والذكاء الاصطناعي، مع تعزيز البنية التحتية الخضراء واستعادة الأراضي الرطبة والمناطق الطبيعية التي تؤدي وظائف الحماية.

وفي قطاع النفايات، ينبغي ألا تقتصر الرقمنة على تتبع شاحنات الجمع، وإنما تمتد إلى دعم الفرز من المصدر، والتتبع الرقمي لسلاسل التدوير، وربط البيانات بمنظومة الاقتصاد الدائري.
وهكذا تصبح التكنولوجيا أداة لتدبير المخاطر والموارد، وليس مجرد واجهة رقمية للمدينة.

المحور الثامن: مقترح «مؤشر مغربي للمدينة الذكية المناخية «
تقترح الدراسة تطوير مؤشر وطني تجريبي للمدينة الذكية المناخية، يستند إلى المبادئ العامة لمعايير ISO 37122 وISO 37123 وISO 37124، مع تكييفها مع الأولويات المناخية والاجتماعية المغربية (ISO, 2019a, 2019b; ISO, 2024).
ويمكن أن يتكون المؤشر المقترح من ثمانية أبعاد: المناخ والانبعاثات بنسبة 20%، والطاقة بنسبة 20%، والمياه بنسبة 15%، والنقل والتنقل بنسبة 15%، والطبيعة والتنوع البيولوجي بنسبة 10%، والاقتصاد الدائري والنفايات بنسبة 10%، والحكامة والبيانات المفتوحة بنسبة 5%، والعدالة المناخية والمشاركة المواطنة بنسبة 5%.

ولا تمثل هذه الأوزان معياراً دولياً معتمداً، وإنما مقترحاً بحثياً أولياً يحتاج إلى اختبار علمي وتحكيم ومقارنة ببيانات المدن المغربية قبل اعتماده كمؤشر وطني. وتتمثل أهميته في أنه يمنع المدينة من الحصول على تصنيف مرتفع لمجرد امتلاكها تطبيقات رقمية أو شبكات استشعار، ويجعل الأداء البيئي والاجتماعي والمناخي جزءاً أساسياً من تقييم «الذكاء».

المحور التاسع: من المدينة الذكية إلى المدينة القادرة على الصمود
تكشف الدراسة أن مواجهة تغير المناخ تتطلب توسيع مفهوم الذكاء الحضري ليشمل مفهوم المرونة. فالمدينة التي تستطيع مراقبة استهلاك الكهرباء لكنها عاجزة عن حماية سكانها من موجة حر أو فيضان أو انقطاع المياه لا يمكن اعتبارها مدينة ذكية من منظور مناخي متكامل.

ويكتسب معيار ISO 37123 أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه يركز على مؤشرات المرونة ويتيح للمدن قياس قدرتها على الاستجابة للمخاطر بصورة قابلة للمقارنة والتحقق (ISO, 2019b). ومن ثم، فإن المدينة الذكية المناخية ينبغي أن تكون قادرة على التنبؤ بالمخاطر، والاستعداد لها، والاستجابة لها، والتعافي منها، والتعلم من آثارها.

كما أن المرونة ليست تقنية فقط. فالأحياء ذات الدخل المنخفض، وكبار السن، والأطفال، والأشخاص ذوو الإعاقة، والفئات التي تفتقر إلى الخدمات الأساسية، قد تكون أكثر تعرضاً للمخاطر. ولذلك فإن العمل المناخي الحضري يجب أن يدمج البعد الاجتماعي والعدالة المناخية في تصميم الحلول (UN-Habitat, 2024; Sharifi, 2021).

المحور العاشر: مناقشة النتائج
تسمح المقارنة النظرية والتطبيقية بإعادة النظر في الفرضيات الأربع. فالفرضية الأولى تجد دعماً قوياً في الأدبيات وفي تجربة الطاقة والمباني والنقل؛ إذ يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن ترفع كفاءة استهلاك الطاقة وتدعم التحول نحو أنظمة حضرية أكثر مرونة (IEA, 2021).

أما الفرضية الثانية فتظهر بوضوح في الأدبيات النقدية، حيث لا توجد علاقة تلقائية بين ارتفاع مستوى «الذكاء» وتحقيق الاستدامة. وقد أظهر Ahvenniemi et al. (2017) وجود فجوة بين أطر تقييم المدن الذكية وأطر الاستدامة، بينما خلص Mora et al. (2019) إلى ضرورة تجاوز الاعتقاد بأن التكنولوجيا وحدها كافية لتحقيق النتائج المستدامة.

وتدعم التجارب المقارنة الفرضية الثالثة، لأن المدن الأربع لا تعتمد على مسار تقني واحد، وإنما تجمع التكنولوجيا مع الطاقة والتخطيط والتنقل والاقتصاد الدائري والبنية الخضراء والحكامة. أما الفرضية الرابعة، فتجد دعماً في التجارب التي تربط العمل المناخي بالمشاركة والشراكات والتخطيط طويل الأجل، وهو ما يؤكده كذلك تقرير UN-Habitat (2024).
وبذلك تشير النتائج إلى أن القيمة المناخية للمدينة الذكية تتحدد بمدى قدرتها على الانتقال من رقمنة الخدمات إلى إعادة تشكيل نظم المدينة.

المحور الحادي عشر: هل تكفي المدن الذكية لمواجهة أزمة المناخ؟
تقدم الدراسة جواباً واضحاً عن سؤالها المركزي: لا، المدن الذكية وحدها لا تكفي لمواجهة أزمة المناخ، إذا كان المقصود بالمدينة الذكية مجرد مدينة تعتمد بكثافة على التكنولوجيا الرقمية.

لكن هذا لا يعني التقليل من أهمية التكنولوجيا. على العكس، يمكن أن تصبح التكنولوجيا إحدى أقوى أدوات التحول الحضري المناخي عندما تستخدم في إطار سياسات عامة واضحة، وتُربط بمؤشرات أداء بيئية واجتماعية قابلة للقياس.
فالمدينة التي تمتلك الذكاء الاصطناعي ولكنها تعتمد على السيارات الخاصة، وتستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه، وتعاني من نقص المساحات الخضراء، وتتعرض أحياؤها الهشة للفيضانات والحرارة، لا يمكن اعتبارها نموذجاً ناجحاً للمدينة الذكية المناخية.

وفي المقابل، فإن المدينة التي تستخدم البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين النقل العمومي، وخفض استهلاك الطاقة، وإدارة المياه، والتنبؤ بالمخاطر، وتوسيع المساحات الخضراء، ودعم الاقتصاد الدائري، وحماية الفئات الهشة، تكون أقرب إلى النموذج المطلوب.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: قد تكون بعض أكثر الحلول الحضرية ذكاءً غير رقمية في أصلها؛ فقد يكون توسيع شبكة النقل العمومي، وزراعة الأشجار، واستعادة الأراضي الرطبة، وتقليص السيارات، وتحسين تصميم الشوارع، أكثر أهمية من إضافة تطبيق رقمي جديد.

المحور الثاني عشر: الاستنتاج
تكشف الدراسة المقارنة أن مفهوم «المدينة الذكية» يمر بمرحلة تحول مفاهيمي من التركيز على التكنولوجيا إلى التركيز على النتائج. فالمدينة الذكية في صورتها التقليدية تنظر إلى البيانات والاتصال والرقمنة باعتبارها أدوات لتحسين الخدمات، بينما تفرض أزمة المناخ إعادة تعريف الغاية النهائية لهذه الأدوات.

وتؤكد الأدبيات العلمية أن التكنولوجيا لا تضمن الاستدامة بصورة تلقائية، وأن تقييم المدينة الذكية ينبغي أن ينتقل من قياس عدد الحلول الرقمية إلى قياس آثارها البيئية والاجتماعية والاقتصادية (Ahvenniemi et al., 2017; Mora et al., 2019). كما توضح المراجعات المتخصصة في العلاقة بين المدن وتغير المناخ أن البنية التحتية والصحة والعدالة والنظم المستدامة والحكامة عناصر لا يمكن فصلها عن مفهوم المدينة الذكية المناخية (Sharifi, 2021).

وتبين التجارب الأربع المدروسة أن التحول الحضري الأكثر نجاحاً هو الذي يدمج التكنولوجيا مع السياسات العامة. فكوبنهاغن تبرز أهمية الطاقة والتنقل والحكامة، وسنغافورة توضح كيف يمكن للتكنولوجيا أن تساعد مدينة محدودة الموارد على إدارة تحدياتها، وأمستردام تربط العمل المناخي بالاقتصاد الدائري والمشاركة المجتمعية، بينما تبرهن برشلونة على أن إعادة تصميم المجال العام يمكن أن تكون استراتيجية مناخية وصحية في آن واحد.

وعليه، فإن المعادلة المستقبلية لا ينبغي أن تكون: التكنولوجيا = مدينة ذكية
بل: التكنولوجيا + التخطيط الحضري + الطاقة النظيفة + الطبيعة + التنقل المستدام + الاقتصاد الدائري + الحكامة + المواطن = مدينة ذكية مناخياً.

ومن هذا المنظور، فإن التحدي الحقيقي أمام المدن المغربية ليس أن تصبح «أكثر رقمية» فحسب، وإنما أن تستخدم الرقمنة والبيانات والذكاء الاصطناعي لبناء مدن أقل استهلاكاً للمياه والطاقة، وأقل انبعاثاً للكربون، وأكثر خضرة، وأكثر قدرة على مواجهة الحرارة والجفاف والفيضانات، وأكثر عدالة وإنصافاً.
وبذلك لا يصبح الذكاء الحضري هدفاً بذاته، بل وسيلة لبناء مدينة قادرة على الصمود، منخفضة الكربون، عادلة اجتماعياً، وأكثر انسجاماً مع حدود النظم البيئية.

الخلاصة الاستراتيجية
إن مستقبل المدن لا يكمن في المدينة الذكية فقط، وإنما في المدينة الذكية المناخية؛ أي المدينة التي تجعل التكنولوجيا خادمة للمناخ والإنسان والطبيعة، وليس بديلاً عن التخطيط والحكامة والسياسات البيئية.
فالذكاء الحضري الحقيقي لا يقاس بعدد الكاميرات وأجهزة الاستشعار والتطبيقات الرقمية، وإنما بقدرته على خفض الانبعاثات، وحماية الموارد، وتقليل المخاطر، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز العدالة، وبناء قدرة المدينة على الصمود أمام أزمة المناخ.

المراجع
1. Ahvenniemi, H., Huovila, A., Pinto-Seppä, I., & Airaksinen, M. (2017). What are the differences between sustainable and smart cities? Cities, 60, 234–245. https://doi.org/10.1016/j.cities.2016.09.009
2. Barcelona City Council. (2023). Barcelona 2030: Urban transformation and climate-neutral city initiatives. Ajuntament de Barcelona.
3. City of Amsterdam. (2026). Sustainability and energy. Municipality of Amsterdam.
4. IEA. (2021). Empowering Cities for a Net Zero Future: Unlocking resilient, smart, sustainable urban energy systems. International Energy Agency, Paris.
5. ISO. (2019a). ISO 37122:2019: Sustainable cities and communities — Indicators for smart cities. International Organization for Standardization.
6. ISO. (2019b). ISO 37123:2019: Sustainable cities and communities — Indicators for resilient cities. International Organization for Standardization.
7. ISO. (2024). ISO 37124:2024: Sustainable cities and communities — Guidance on the use of ISO 37120, ISO 37122 and ISO 37123. International Organization for Standardization.
8. Mora, L., Deakin, M., Reid, A., Angelidou, M., & others. (2019). Can cities become smart without being sustainable? A systematic review of the literature. Sustainable Cities and Society, 45, 348–365. https://doi.org/10.1016/j.scs.2018.11.033
9. Mueller, N., Rojas-Rueda, D., Khreis, H., Cirach, M., Andrés, D., Ballester, J., Bartoll, X., Daher, C., Deluca, A., Echave, C., Milà, C., Márquez, S., Palou, J., Pérez, K., Tonne, C., & Nieuwenhuijsen, M. (2020). Changing the urban design of cities for health: The Superblock model. Environment International, 134, 105132.
10. Sharifi, A. (2021). What makes a city ‘smart’ in the Anthropocene? A critical review of smart cities under climate change. Sustainable Cities and Society, 75, 103278. https://doi.org/10.1016/j.scs.2021.103278
11. Singapore Green Plan 2030. (2026). Our vision and key focus areas. Government of Singapore.
12. UN-Habitat. (2024). World Cities Report 2024: Cities and Climate Action. United Nations Human Settlements Programme, Nairobi.
13. United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division. (2018). World Urbanization Prospects: The 2018 Revision. United Nations.

(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

دراسة حول حرائق الواحات والغابات في المغرب (05 – 05)

بين الاستراتيجيات الحكومية القطاعية وتداعيات التغيرات المناخية: دراسة تحليلية مقارنة مع فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا …

اترك تعليقاً