بين الاستراتيجيات الحكومية القطاعية وتداعيات التغيرات المناخية: دراسة تحليلية مقارنة مع فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان وتركيا
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 30 يوليو 2026
استناداً إلى نتائج الدراسة وتحليل التجربة المغربية ومقارنتها بالتجارب الدولية الرائدة في فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان وتركيا، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العملية التي من شأنها تعزيز فعالية السياسات العمومية في مجال الوقاية ومكافحة حرائق الغابات، وتقوية قدرة المغرب على التكيف مع التغيرات المناخية.
أولاً: على المستوى الاستراتيجي والمؤسساتي
1. إعداد استراتيجية وطنية متخصصة لمكافحة حرائق الغابات في أفق 2035، تكون مندمجة مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والسياسة الوطنية للتكيف مع التغيرات المناخية، والاستراتيجية الوطنية “غابات المغرب 2020–2030”.
2. إحداث مركز وطني موحد لإدارة مخاطر حرائق الغابات، يعمل على مدار الساعة، ويضم مختلف المتدخلين (الوكالة الوطنية للمياه والغابات، الوقاية المدنية، القوات المسلحة الملكية، المديرية العامة للأرصاد الجوية، الدرك الملكي، السلطات الترابية)، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار وتنسيق عمليات التدخل.
3. تعزيز الحكامة البيئية متعددة المستويات من خلال توضيح الاختصاصات بين المؤسسات الوطنية والجهوية والمحلية، ووضع آليات لتقييم الأداء وتبادل البيانات بشكل آني.
4. إدماج مخاطر حرائق الغابات ضمن برامج التخطيط الترابي والتهيئة العمرانية، مع مراعاة سيناريوهات التغيرات المناخية عند إعداد وثائق التعمير وتصميم المشاريع التنموية بالمناطق الغابوية.
ثانياً: على المستوى الوقائي
5. زيادة تطوير منظومة وطنية ذكية للإنذار المبكر تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بعد، والبيانات المناخية والفضائية، للتنبؤ بمستويات الخطورة قبل اندلاع الحرائق.
6. توسيع استعمال الطائرات المسيّرة (الدرونات) المزودة بكاميرات حرارية لمراقبة الغابات ورصد البؤر الحرارية في مراحلها الأولى، خاصة بالمناطق الجبلية ذات التضاريس الوعرة.
7. إعداد خرائط وطنية ديناميكية لمؤشر خطورة الحرائق يتم تحديثها يومياً، مع إتاحتها للسلطات المحلية ووسائل الإعلام والجمهور.
8. تعزيز عمليات إدارة الوقود الغابوي من خلال إزالة النباتات الجافة، وتنظيف جنبات الطرق والمسالك الغابوية، وإنشاء أحزمة وممرات عازلة تحد من انتشار الحرائق.
9. إغلاق مؤقت للمجالات الغابوية ذات الخطورة المرتفعة خلال فترات موجات الحر القصوى، مع اعتماد بروتوكولات واضحة لإدارة الولوج إليها.
ثالثاً: على المستوى اللوجستي والتقني
10. تعزيز أسطول الإطفاء الجوي باقتناء طائرات ومروحيات إضافية متخصصة في مكافحة الحرائق، مع ضمان توزيعها وفق خريطة المخاطر الوطنية.
11. تطوير شبكة وطنية من أبراج المراقبة الذكية المزودة بكاميرات حرارية وأنظمة تحليل آلي للصور وربطها بمراكز القيادة.
12. إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تجمع المعلومات المتعلقة بالحرائق، تشمل أسبابها، ومساحاتها، وأنواع الغطاء النباتي، والخسائر الاقتصادية والبيئية، بما يدعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة.
13. إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الأقمار الصناعية والتنبؤ بمسارات انتشار الحرائق وفق اتجاه الرياح وطبيعة الغطاء النباتي.
رابعاً: على المستوى البيئي والمناخي
14. تعزيز برامج إعادة تأهيل الغابات المتضررة باستعمال الأنواع النباتية المحلية الأكثر مقاومة للجفاف والحرائق، مع تتبع علمي طويل الأمد لنجاح عمليات التشجير.
15. إدراج مكافحة حرائق الغابات ضمن خطط التكيف مع التغيرات المناخية باعتبارها إحدى أولويات الأمن البيئي الوطني.
16. تشجيع البحوث العلمية حول تأثير التغيرات المناخية على دينامية الحرائق، وتطوير نماذج وطنية للتنبؤ بالمخاطر حتى أفق 2050 و2100.
17. اعتماد حلول قائمة على الطبيعة (Nature-Based Solutions) مثل استعادة النظم البيئية المتدهورة، والمحافظة على الأراضي الرطبة، وتشجيع الغابات المختلطة الأكثر قدرة على مقاومة الحرائق.
خامساً: على المستوى الاقتصادي والمالي
18. رفع حجم الاستثمارات العمومية المخصصة للوقاية من الحرائق، باعتبار أن الوقاية أقل تكلفة وأكثر مردودية من التدخل بعد وقوع الكارثة.
19. إحداث صندوق وطني لتمويل الوقاية وإعادة التأهيل الغابوي يمول من الميزانية العامة، وصناديق المناخ الدولية، ومساهمات القطاع الخاص.
20. إدماج آليات التمويل المناخي الدولي في تمويل مشاريع الوقاية وإعادة التشجير، والاستفادة من برامج صندوق المناخ الأخضر والاتحاد الأوروبي.
سادساً: على المستوى الاجتماعي والمجتمعي
21. تعزيز التربية البيئية والتوعية المجتمعية داخل المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والجماعات الترابية، بهدف ترسيخ ثقافة الوقاية والمحافظة على الغابات.
22. إشراك الساكنة المحلية والجمعيات البيئية في مراقبة الغابات، والإبلاغ المبكر عن الحرائق، وتنفيذ برامج الوقاية، على غرار التجارب الإسبانية والبرتغالية.
23. إحداث فرق تطوعية محلية يتم تكوينها وتجهيزها للمساهمة في عمليات الرصد الأولي والتوعية، تحت إشراف السلطات المختصة.
24. دعم البدائل الاقتصادية المستدامة لفائدة الساكنة المجاورة للغابات، بما يحد من الضغوط البشرية على الموارد الغابوية ويعزز التنمية المحلية.
سابعاً: على المستوى التشريعي
25. مراجعة الإطار القانوني المنظم لحماية الغابات بما يواكب التحديات الجديدة المرتبطة بالتغيرات المناخية، ويشدد العقوبات على الأفعال المتسببة في الحرائق العمدية أو الناتجة عن الإهمال.
26. إلزام المشاريع الاستثمارية والسياحية المقامة بالقرب من الغابات بإعداد خطط للوقاية والاستجابة لحرائق الغابات، وإدماج معايير السلامة البيئية ضمن شروط الترخيص.
27. إقرار نظام وطني لتقييم المخاطر البيئية قبل تنفيذ المشاريع الكبرى داخل أو بمحاذاة المجالات الغابوية.
ثامناً: على مستوى التعاون الدولي
28. تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي للاستفادة من الخبرات التقنية وبرامج التدريب وآليات الحماية المدنية الأوروبية، خاصة في مجال الإنذار المبكر والإطفاء الجوي.
29. تطوير الشراكات العلمية مع الجامعات ومراكز البحث الدولية لتبادل البيانات والخبرات في مجالات الاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي، والنمذجة المناخية.
30. إرساء آلية متوسطية للتنسيق الإقليمي بين دول جنوب وشمال البحر الأبيض المتوسط لتبادل المعلومات والموارد والخبرات خلال مواسم الحرائق الكبرى، بما يعزز الاستجابة الجماعية للمخاطر العابرة للحدود.
خاتمة التوصيات
إن تعزيز قدرة المغرب على مواجهة حرائق الغابات لم يعد رهيناً بتقوية وسائل الإخماد فقط، بل يتطلب اعتماد مقاربة استباقية شاملة ترتكز على الحكامة البيئية، والتخطيط العلمي، والتكيف مع التغيرات المناخية، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، وإشراك المجتمع في الوقاية. كما أن الاستفادة من التجارب المتوسطية الناجحة، مع مراعاة الخصوصيات البيئية والمؤسساتية للمغرب، من شأنها أن تسهم في بناء منظومة وطنية أكثر مرونة وفعالية، قادرة على حماية الرأسمال الغابوي وتعزيز الأمن البيئي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
أولاً: المراجع العربية
1. الوكالة الوطنية للمياه والغابات. (2023). الاستراتيجية الوطنية للغابات 2020–2030. الرباط، المغرب.
2. الوكالة الوطنية للمياه والغابات. (2024). التقرير السنوي حول حرائق الغابات بالمغرب. الرباط، المغرب.
3. الوكالة الوطنية للمياه والغابات. (2025). حصيلة الحملة الوطنية للوقاية ومكافحة حرائق الغابات. الرباط، المغرب.
4. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. (2022). رأي حول الاقتصاد الأخضر والتغيرات المناخية بالمغرب. الرباط، المغرب.
5. المندوبية السامية للتخطيط. (2024). التقرير الوطني حول مؤشرات التنمية المستدامة. الرباط، المغرب.
ثانياً: المراجع الأجنبية
1. Agence Nationale des Eaux et Forêts. (2024). Rapport annuel sur les incendies de forêts au Maroc. Rabat, Morocco.
2. Agence Nationale des Eaux et Forêts. (2025). Bilan de la campagne nationale de prévention et de lutte contre les incendies de forêts. Rabat, Morocco.
3. Copernicus Emergency Management Service. (2024). European Forest Fire Information System (EFFIS): Annual Fire Report 2023. Luxembourg: Publications Office of the European Union.
4. Copernicus Emergency Management Service. (2025). European Forest Fire Information System (EFFIS): Annual Fire Report 2024. Luxembourg: Publications Office of the European Union.
5. Copernicus Emergency Management Service. (2025). Advance Report on Forest Fires in Europe, Middle East and North Africa 2025. Luxembourg: Publications Office of the European Union.
6. European Commission, Joint Research Centre. (2025). Forest Fires in Europe, Middle East and North Africa: Advance Report 2025. Luxembourg: Publications Office of the European Union.
7. European Commission, Joint Research Centre. (2025). Forest Fires in Europe, Middle East and North Africa 2024. Luxembourg: Publications Office of the European Union.
8. European Forest Fire Information System. (2025). EFFIS Annual Fire Reports. Luxembourg: European Commission.
9. Food and Agriculture Organization of the United Nations. (2023). Fire management: Voluntary guidelines – Principles and strategic actions. Rome: FAO.
10. Food and Agriculture Organization of the United Nations. (2024). The State of the World’s Forests 2024: Forest-sector innovations towards a more sustainable future. Rome: FAO.
11. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2022). Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability. Cambridge: Cambridge University Press.
12. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2023). Climate Change 2023: Synthesis Report. Geneva: IPCC.
13. United Nations Environment Programme. (2022). Spreading Like Wildfire: The Rising Threat of Extraordinary Landscape Fires. Nairobi: UNEP.
14. World Bank. (2022). Morocco Country Climate and Development Report. Washington, DC: World Bank.
(*) مصطفى بنرامل
استشاري مغربي في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، بخبرة تفوق 25 سنة في التأطير وتطوير البرامج. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. حاصل على عدة شهادات متخصصة في تكوين المكونين وتدبير الكوارث من جامعات ومؤسسات دولية ووطنية مرموقة. ساهم في تصميم وتنفيذ برامج التربية البيئية والمناخية وتعزيز الوعي بالتنمية المستدامة لدى مختلف الفئات.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز