شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 11 أبريل 2026
حين يهطل المطر، لا نفكر كثيرًا في تفاصيله، بل نستقبله بشيء من الطمأنينة. ندرك، بوعي أو بدونه، أن هذا الهطول جزء من دورة حياة تحفظ التوازن وتعيد إلى الأرض حيويتها. فالمطر الذي نفرح بلحظة نزوله، ندرك في قرارة أنفسنا أن له أثرًا ممتدًا في التربة، وفي النبات، وفي كل ما ينمو بصمت.
واللغة، في وجه من وجوهها، تشبه المطر. فاللغة لا تُبنى بالخطب الكبيرة ولا بالمواقف العابرة، بل بما يتراكم فيها من استعمال يومي هادئ، يشبه قطرات المطر. كلمة تُقال بدقة، جملة تُصاغ بوعي، حوار يُدار بلغة محترمة؛ كل ذلك قد يبدو بسيطًا، لكنه مع الزمن يصنع بيئة لغوية حيّة، قابلة للنمو.
وحين يغيب هذا “المطر اللغوي”، لا تذبل اللغة فجأة، بل تبدأ في الجفاف التدريجي. تقل المفردات، يضعف التعبير، تتراجع القدرة على الفهم، ويصبح الخطاب أكثر ضجيجًا وأفقر معنى. وهذا الجفاف لا يُعالج بقرار سريع، تمامًا كما لا تُستعاد خصوبة الأرض بيوم واحد من المطر. ومن هنا يمكن فهم الاستدامة اللغوية بوصفها حاجة يومية لا مشروعًا موسميًا.
فاللغة تحتاج إلى تغذية مستمرة: في البيت، وفي المدرسة، وفي الإعلام، وفي تفاصيل الحياة. تحتاج إلى من يعتني بها لا في المناسبات، بل في الممارسة اليومية التي قد لا تُرى، لكنها تُحدث أثرها. وكما أن المطر لا يُدَّخر في السماء إلى الأبد، بل ينزل حين يحتاجه التوازن، فإن اللغة لا تبقى حيّة إلا إذا جرت على الألسنة، واستُعملت بوعي، وتجدّدت في سياقها الطبيعي.
غير أن المطر، كما يحيي، قد يفيض حتى يُغرق. وكذلك اللغة؛ فليست كل كثرةٍ في الكلام دليلًا على حيوية، بل قد تكون على العكس علامة على طوفانٍ لفظي يطمس المعنى بدل أن يُنميه. نرى ذلك في إغراق الخطاب في التنظير، وتراكم الخطابات التي تكثر فيها الكلمات وتقل فيها الفكرة، حتى يغدو السامع محاطًا بضجيج لغوي لا يروي فهمًا ولا يُثمر أثرًا. وهذا اللون من الخطاب يشبه سيلًا جارِفًا: يملأ المشهد، لكنه يترك بعده أرضًا منهكة.
وللمطر أحوال، وللكلام نظائرها. فمنه ما يأتي في موسمه، منتظمًا نافعًا، يروّي الأرض بقدرها، وهو شبيه بالكلمة التي تُقال في وقتها، بقدرها، فتُحيي المعنى دون إفراط. ومنه مطر صيفي مفاجئ، يبهج لحظته ثم ينقضي سريعًا، كخطاب عابر يلمع ولا يستقر. ومنه مطر يُنتظر فلا يأتي، فتطول به الأرض عطشًا، كما تطول بعض القضايا بلا بيان واضح، فينشأ الفراغ ويملؤه التأويل. ومنه ما يأتي دون انتظار، فيوقظ الأرض على غير موعد، كما تفعل الكلمة الصادقة حين تأتي في لحظة حاجة، فتُحدث أثرًا لا تصنعه كثرة القول.
وبين هذا وذاك، تبقى العبرة ليست بكثرة المطر، بل بحسن نزوله؛ ولا بكثرة الكلام، بل بقدرته على الإحياء. ربما لا نملك دائمًا قرار المطر، لكننا نملك قرار الكلمة. وكل كلمة واعية، في وقتها، هي قطرَة في مطر اللغة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز