حين تتحول المعرفة من وعي فرد… إلى بنية مؤسسية تُعيد تعريف القدرة على الاستمرار
شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 18 ابريل 2026.
لا تفشل كثير من المؤسسات لأنها تفتقر إلى المعرفة، بل لأنها تربط هذه المعرفة بمن يمتلكها، فالمشكلة لا تبدأ عندما تغيب المعلومات، بل عندما تصبح هذه المعلومات أسيرة عقل واحد تُفهم من خلاله وتُفسَّر بحدوده وتُستخدم وفق رؤيته، في تلك اللحظة تحديداً تتحول المعرفة من أصل استراتيجي إلى خطر صامت داخل بنية القرار، خطر لا يظهر في لحظة النجاح، بل يتكشف مع أول اختبار حقيقي، ومع أول انتقال قيادي أو غياب مفاجئ، حيث تعود المؤسسة إلى نقطة البداية وكأن ما بُني لم يكن سوى فهم فردي لم يتحول إلى قدرة قابلة للتراكم.
وهنا لا تكمن خطورة هذا النمط في ضعف المعرفة، بل في طبيعتها، فالمعرفة ليست ما يُخزن داخل العقول، بل ما يُعاد إنتاجه داخل السياق، وليست معلومات تُجمع، بل قدرة على تفسير هذه المعلومات وربطها وإعادة قراءتها مع كل تغير، وهي ليست ما نعرفه مرة واحدة، بل ما نستطيع أن نعرفه من جديد، فقيمة المعرفة لا تُقاس بحجمها، بل بقدرتها على الانتقال، فالمعرفة التي لا تنتقل تبقى خبرة، والخبرة التي لا تتراكم تبقى لحظة، واللحظة مهما كانت ناجحة لا تبني مؤسسة، بل تبني موقفاً عابراً.
في هذا المستوى تتشكل ما يمكن تسميته بالقوة الفكرية المؤسسية، وهي القدرة التي تجعل المؤسسة تفكر ليس من خلال أفرادها فقط، بل من خلال بنيتها، فالقوة الحقيقية لا تكمن في وجود من يفهم، بل في وجود ما يجعل هذا الفهم ممكناً بشكل مستمر ومتجدد وقابلًا للانتقال حتى مع تغيّر الأشخاص وتبدّل الظروف، وهنا لا يعود السؤال هل نمتلك قادة يفهمون، بل يصبح السؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث عندما يتغير من يفهم، وهل تنتقل المعرفة أم يتوقف الفهم.
عند هذه النقطة تتشكل الإشكالية التي تفصل بين مستويين مختلفين في التعامل مع المعرفة، القيادة المعرفية بوصفها قدرة فردية على تفسير الواقع، والتميّز المعرفي بوصفه قدرة مؤسسية على إنتاج هذا التفسير بشكل مستمر.
تمثل القيادة المعرفية استجابة طبيعية لتعقيد البيئات الحديثة، فالقائد لم يعد مجرد موجّه، بل أصبح مطالباً بقراءة ما لا يظهر وربط ما يبدو متفرقاً وتحويل البيانات إلى معنى وإعادة صياغة الأسئلة قبل البحث عن الإجابات، وقد أشار Peter Drucker إلى أن القيمة في المؤسسات الحديثة لم تعد تُنتج عبر التنفيذ فقط، بل عبر القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل منظم داخل العمل، غير أن هذا التحول رغم أهميته يظل ناقصاً ما لم يتحرر من حدود الفرد.
فالمعرفة حين تبقى في عقل القائد تظل مرتبطة بوجوده وبقدرته وبحدود وعيه مهما بلغ هذا الوعي من عمق، وهنا تبدأ المفارقة، فالقائد قد يختصر الزمن لكنه لا يستطيع أن يحمله وحده، وقد يفسّر الواقع لكنه لا يستطيع أن يضمن استمرار تفسيره، وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في نماذج مؤسسية لم تعجز عن الوصول إلى المعرفة لكنها عجزت عن نقلها خارج حدود الإدراك الفردي، فشركة BlackBerry التي تأسست في كندا عام 1984 لم تكن تفتقر إلى الفهم بل كانت تمتلك قيادة تدرك احتياجات قطاع الأعمال بدقة خصوصاً في مجالي الأمان والبريد الإلكتروني، وكانت المعرفة موجودة والرؤية واضحة والنجاح حاضراً، لكن هذا الفهم ظل مرتبطاً بإطار لم يتحول إلى نظام.
وعندما تغيّر سلوك المستخدم بعد إطلاق iPhone عام 2007 لم يكن التحدي في غياب المعرفة، بل في بقائها داخل تصور لم يُنقل ولم يُختبر ولم يُعاد إنتاجه، وهنا يظهر الفارق الحاسم، فالمعرفة لم تغب لكنها فشلت في أن تتحول إلى قدرة مؤسسية تعيد قراءة الواقع، فالمؤسسة لم تفقد ما تعرفه، بل فقدت قدرتها على أن تعرف من جديد.
في المقابل يظهر التميز المعرفي بوصفه تحولاً في منطق المؤسسة ذاته كما يتجلى في تجربة Google التي تأسست في الولايات المتحدة عام 1998، حيث تعاقب على قيادتها أكثر من نموذج إداري دون أن تتأثر قدرتها على اتخاذ القرار لأن المعرفة لم تكن مرتبطة بالقائد، بل بالنظام.
تعتمد Google على تحليل البيانات وسلوك المستخدم ومنهجيات اختبار مستمرة، حيث يتم اختبار الفرضيات بشكل متكرر وتحليل نتائجها لاتخاذ القرار، وفي هذا النموذج لا يُبنى القرار على ما يراه القائد، بل على ما يكشفه النظام، فالمعرفة لا تُستخدم بعد جمعها، بل تُنتج أثناء استخدامها من خلال عملية مستمرة من الاختبار والتحليل والتعلم، وكل قرار هو نتيجة تراكم معرفي لا اجتهاد فردي.
وبين نموذج BlackBerry الذي احتفظ بالمعرفة داخل إطار لم يتجدد ونموذج Google الذي حوّل المعرفة إلى نظام يعيد إنتاج نفسه باستمرار يتضح أن الفارق لا يكمن في امتلاك المعرفة، بل في القدرة على تحريرها من الفرد وتحويلها إلى عملية مؤسسية.
وفي السياق الحكومي تقدم Estonia نموذجاً متقدماً في هذا التحول، فإستونيا دولة أوروبية تقع في شمال القارة استقلت عام 1991 وبدأت منذ منتصف التسعينيات مشروعاً استراتيجياً لبناء دولة رقمية قائمة على تكامل البيانات، ولم يكن هذا التحول قرار قائد، بل تصميم نظام، حيث تم إنشاء منصة “X-Road” لربط جميع الجهات الحكومية ضمن منظومة واحدة تتيح تبادل البيانات بشكل فوري وآمن، ومع تعاقب الحكومات بقي النظام يعمل بكفاءة لأن المعرفة لم تكن في الأشخاص، بل مدمجة في البنية.
وهنا لا نتحدث عن حكومة إلكترونية فقط، بل عن مؤسسة تفكر من خلال نظامها، ويتقاطع هذا الفهم مع ما تم طرحه سابقاً، حيث تتحول المعرفة من حالة ضمنية في عقل الفرد إلى معرفة صريحة قابلة للمشاركة داخل المؤسسة، كما يتقاطع مع مفهوم المنظمة المتعلمة لدى.
كما أن التميز المعرفي لا يُبنى بالأنظمة فقط، بل بالثقافة التي تمنح هذه الأنظمة القدرة على العمل، وهنا يتغير دور القائد، فالقائد المعرفي لا يتوقف عند الفهم، بل يبدأ عند النقل، ينقل المعرفة إلى نظام ويحوّل الخبرة إلى ممارسة ويجعل الفهم قابلاً للتكرار والقرار قابلاً للاستمرار، وبذلك ينتقل من كونه مصدراً للمعرفة إلى بانياً لمنظومتها.
ومن هنا لا يمكن النظر إلى القيادة المعرفية والتميز المعرفي بوصفهما امتداداً واحداً، بل انتقالاً نوعياً في طبيعة المؤسسة، فالقيادة المعرفية تفسّر الواقع لكنها لا تضمن استمرارية تفسيره، بينما التميز المعرفي يعيد إنتاج القدرة على هذا التفسير بشكل مستمر، ومع تصاعد التعقيد لا يكون التفوق لمن يعرف أكثر، بل لمن يستطيع أن يعرف باستمرار.
وفي هذا المستوى لا تعود المعرفة أداة، بل تتحول إلى بنية، ولا تعود القيادة فعلاً، بل تتحول إلى قدرة مؤسسية، وهنا يحدث التحول الحقيقي من عقل يفسّر إلى نظام يفكّر.
هاشتاك:
القيادة المعرفية، التميز المعرفي، إدارة المعرفة، نقل المعرفة المؤسسية، القوة الفكرية للمؤسسة، التميز المؤسسي، الاستدامة المؤسسية، النضج المؤسسي، التحول المؤسسي، إنتاج المعرفة، التعلم التنظيمي، المعرفة الضمنية والصريحة، (Google)، (Estonia). (BlackBerry)، (X-Road).
(*) د. أنيس رزوق:
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.
المراجع:
1. دراكر، بيتر ف. (2009). تحديات الإدارة في القرن الحادي والعشرين (ترجمة مكتبة جرير). مكتبة جرير.
2. نوناكا، إيكيجيرو، وتاكيوتشي، هيروتاكا. (1995). الشركة صانعة المعرفة: كيف تبتكر الشركات اليابانية ديناميكيات الابتكار (ترجمة مركز التعريب والبرمجة). مركز التعريب والبرمجة.
3. سنج، بيتر م (2006)، المنظمة المتعلمة: فن وممارسة المنظمة المتعلمة (ترجمة: طلعت الشايب). القاهرة: دار النهضة العربية.
4. بوك، لازلو. (2015). قواعد العمل: رؤى من داخل Google ستغير طريقة عيشك وقيادتك (ترجمة مكتبة جرير). مكتبة جرير.
5. e-Estonia Briefing Centre. (2020) المجتمع الرقمي في إستونيا. https://e-estonia.com
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز