التحول الرقمي وصناعة الأثر يعيدان رسم مستقبل المكتبات العربية

الجلسة العلمية الأولى تستعرض رؤى عربية حول تجربة المستفيد، وصناعة الأثر المجتمعي، والتحول الرقمي العادل في مؤسسات المعرفة

• عماد عيسى: مستقبل المكتبات يبدأ من فهم سلوك المستخدم في العصر الرقمي
• فالنتينا قسيسية: المكتبات الحديثة تقاس بأثرها المجتمعي لا بعدد مقتنياتها
• فراس الضرابعة: التحول الرقمي العادل يحمي المعرفة ويصون السيادة على الوثيقة الوطنية

شبكة بيئة أبوظبي، عمّان، المملكة الأردنية الهاشمية، 29 يوليو 2026
شهدت أعمال الجلسة العلمية الأولى ضمن المؤتمر الدولي الثالث لجمعية المكتبات والمعلومات الأردنية، المنعقد تحت شعار «المكتبات والابتكار في المسؤولية الاجتماعية والاستدامة: نحو أثر مجتمعي مستدام»، مناقشات علمية رفيعة المستوى ركزت على مستقبل المكتبات في العصر الرقمي، واستعرضت رؤى جديدة لإعادة تعريف دور مؤسسات المعلومات في ظل التحولات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وتغير سلوك المستفيدين، بما يعزز مساهمة المكتبات في التنمية المستدامة وصناعة الأثر المجتمعي. وترأس الجلسة الأستاذ الدكتور نبهان الحراصي، واشتملت على ثلاث أوراق علمية متخصصة تناولت تجربة المستخدم، وصناعة الأثر المجتمعي، والتحول الرقمي العادل في المؤسسات الوطنية.

عماد عيسى: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تجربة المستفيد من خدمات المكتبات
استعرض الأستاذ الدكتور عماد عيسى، رئيس الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، ورقة علمية بعنوان «إعادة نمذجة تجربة المستخدم لخدمات المكتبات في ضوء الاكتفاء المعلوماتي والمعرفي المدفوع بالذكاء الاصطناعي»، تناول فيها التحولات العميقة التي يشهدها سلوك الباحثين والمستفيدين نتيجة الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وأوضح أن المستخدم لم يعد يبحث بالطريقة التقليدية، بل أصبح يعتمد على الحوار المباشر مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ويتوقع الحصول على إجابات فورية وشخصية، الأمر الذي يفرض على المكتبات إعادة تصميم خدماتها بما ينسجم مع هذه التحولات.

وأشار إلى أن مفهوم «الاكتفاء المعلوماتي والمعرفي» بات يمثل تحدياً جديداً أمام مؤسسات المعلومات، حيث يكتفي كثير من المستخدمين بإجابة واحدة أو مصدر واحد دون التحقق أو المقارنة، مما قد يؤدي إلى سطحية المعرفة واتخاذ قرارات غير دقيقة. ودعا إلى تطوير تجربة المستخدم داخل المكتبات بالاعتماد على دراسات السلوك، وقياس رضا المستفيدين، وتصميم خدمات أكثر سهولة ومرونة، بحيث تصبح المكتبات شريكاً في بناء التفكير النقدي، وليس مجرد مزود للمعلومات. كما أكد أن مستقبل المكتبات يرتبط بقدرتها على الانتقال من التركيز على الخدمات التقليدية إلى تصميم تجارب معرفية ذكية تتمحور حول احتياجات الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي.

فالنتينا قسيسية: المكتبات الحديثة تقاس بأثرها في المجتمع لا بعدد مقتنياتها
وقدمت السيدة فالنتينا قسيسية، الرئيس التنفيذي لمؤسسة عبد الحميد شومان، ورقة بعنوان «المكتبة كمحرك للتغيير: من تقديم الخدمات إلى صناعة الأثر المستدام»، أكدت فيها أن المكتبات الحديثة تجاوزت مفهومها التقليدي القائم على إعارة الكتب، لتصبح منصات مجتمعية متكاملة لبناء الإنسان، وتنمية الإبداع، ودعم التعلم مدى الحياة، وتعزيز الثقافة الرقمية، واحتضان المبادرات الثقافية والمعرفية.

وأوضحت أن التحول الحقيقي في عمل المكتبات يتمثل في الانتقال من قياس حجم النشاط إلى قياس الأثر المجتمعي، بحيث لا يكون معيار النجاح عدد الكتب أو الزيارات، وإنما مدى تأثير المعرفة في تغيير السلوك، وتنمية المهارات، وتعزيز المشاركة المجتمعية. واستعرضت تجربة مؤسسة عبد الحميد شومان في تطوير نموذج متكامل للمكتبة الحديثة، من خلال برامج القراءة، والتدريب، والابتكار، والحوارات الفكرية، والأنشطة الثقافية، وبرامج الأطفال واليافعين، والتحول الرقمي، بما يجعل المكتبة جزءاً من رحلة المستفيد التعليمية والمعرفية منذ الطفولة وحتى مرحلة الإنتاج المعرفي.

كما عرضت مؤشرات الأداء التي حققتها المؤسسة خلال عام 2025، والتي عكست اتساع نطاق الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع عبر المكتبات العامة، والمكتبة الإلكترونية، وبرامج «درب المعرفة»، وماراثون القراءة، والأنشطة المجتمعية، مؤكدة أن الاستثمار في المعرفة لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، بل بقدرته على إحداث تغيير مستدام في حياة الأفراد والمجتمع.

فراس الضرابعة: التحول الرقمي العادل يبدأ بحماية المعرفة والسيادة على الوثيقة الوطنية
من جانبه، قدم الأستاذ فراس عطا الله الضرابعة، مدير عام دائرة المكتبة الوطنية الأردنية، ورقة بعنوان «المكتبة الوطنية بضمير مجتمعي: نحو تحول رقمي عادل ومستدام»، استعرض خلالها رؤية المكتبة الوطنية الأردنية للتحول الرقمي بوصفه مشروعاً مجتمعياً يقوم على العدالة، والشمول، والشفافية، والسيادة الرقمية، وليس مجرد تحديث تقني للخدمات.
وأوضح أن دائرة المكتبة الوطنية تؤدي أدواراً متعددة تشمل حماية حق الحصول على المعلومات، وصون حقوق المؤلف والملكية الفكرية، وحفظ الذاكرة الوطنية، وإدارة الأرشيف الرسمي للدولة، مؤكداً أن المسؤولية المجتمعية تمثل جوهر عمل المؤسسة، وهو ما انعكس في المبادرات الميدانية الموجهة للمدارس والأطفال، وبرامج تشجيع القراءة، والأنشطة المجتمعية التي تعزز العلاقة المباشرة بين المكتبة والمواطن.

كما تناول الضرابعة توجهات المكتبة الوطنية في توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، من خلال تطوير نماذج تعلم آلي تعمل داخل بيئة المؤسسة حفاظاً على أمن الوثائق والسيادة الرقمية، إلى جانب تطبيق معايير الأمن السيبراني والحوكمة الرشيدة، وإطلاق مبادرات لبناء القدرات الرقمية للعاملين. وأكد أن التحول الرقمي الحقيقي لا يكتمل إلا إذا ارتكز على أربعة مبادئ رئيسية هي الشفافية، والشمول، والاستدامة المؤسسية، والحوكمة الرشيدة، وصولاً إلى بناء «الذاكرة الرقمية الحية للأردن» التي تضمن وصول المعرفة إلى جميع المواطنين مع الحفاظ على أمن الوثائق الوطنية.

واختتمت الجلسة بنقاش علمي موسع بين المشاركين، أكد أن مستقبل المكتبات العربية بات يرتبط بقدرتها على إعادة تصميم خدماتها بما يواكب التحولات الرقمية، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، والانتقال من مفهوم تقديم الخدمات إلى صناعة الأثر المجتمعي المستدام، بما يعزز دور مؤسسات المعلومات في دعم الابتكار، وتمكين الإنسان، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة في العالم العربي.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية شريكاً استراتيجياً في «جائزة المؤشر العربي للمسؤولية الاجتماعية»

اختيار من اتحاد الغرف العربية يؤكد المكانة الإقليمية للشبكة ودورها في ترسيخ ثقافة الاستدامة وقياس …

اترك تعليقاً