شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 21 مارس 2026
تتجه الأدبيات الاقتصادية الحديثة إلى توسيع مفهوم رأس المال بحيث لا يقتصر على المال والأصول المادية، بل يشمل الموارد البشرية والمعرفية التي تسهم في بناء القيمة وتحقيق التنمية. وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى اللغة بوصفها أحد أشكال رأس المال غير المادي، لما تمنحه للأفراد والمؤسسات والمجتمعات من قدرة على الفهم والتأثير والإنتاج المعرفي.
فاللغة تمثل أداة لتنظيم المعرفة وتداولها، ووسيلة لبناء الأفكار وتطويرها. وكلما ارتفعت كفاءة المجتمع اللغوية، ارتفعت قدرته على التعلم، والتفاوض، والتخطيط، والإبداع. ومن هنا تصبح اللغة موردًا تنمويًا حقيقيًا، تتراكم قيمته عبر التعليم والممارسة والخبرة.
لقد اعتدنا أن نعدّ رأس المال مالًا أو أصولًا مادية. غير أن الفكر الاقتصادي الحديث وسّع هذا المفهوم ليشمل رأس المال البشري والمعرفي. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى اللغة بوصفها شكلًا مهمًا من أشكال رأس المال غير المادي.
فاللغة رأس مال لأنها تُكتسب بالتعلّم، وتنمو بالممارسة، وتمنح صاحبها قدرة أكبر على الفهم والتأثير والتفاوض. وهي تزيد قيمة الفرد في سوق العمل؛ فالمهندس أو الطبيب أو الإداري الذي يمتلك كفاءة لغوية عالية يستطيع عرض أفكاره بوضوح، وإقناع الآخرين بها، والتواصل بكفاءة داخل المؤسسة وخارجها. ولهذا أصبحت المهارات اللغوية اليوم جزءًا من الكفايات المهنية المطلوبة في كثير من المجالات.
ولعل الفكر العربي القديم قد أدرك، في سياق مختلف، بعض معاني هذا «الرأس المال اللغوي». فقد نقل ابن رشيق أن القبيلة العربية كانت تهنّأ إذا نبغ فيها شاعر، وتُقام لذلك الاحتفالات كما تُقام في الأعراس. لم يكن الأمر مجرد احتفاء بالشعر، بل إدراكًا لقيمة الكلمة في حماية السمعة وصناعة المكانة. فالشاعر كان لسان القبيلة والمدافع عن تاريخها، وهو ما يجعل اللغة في ذلك السياق رأس مال رمزيًا لا يقل أهمية عن القوة المادية.
كما أن اللغة رأس مال جمعي. فالمجتمع الذي يمتلك لغة قوية مشتركة يمتلك أداة فعالة لنقل المعرفة وتراكمها. فالمصطلحات الدقيقة تسهّل تداول العلوم، واللغة الواضحة تساعد على نشر المعرفة بين المتخصصين وغير المتخصصين. وكلما كانت اللغة قادرة على استيعاب المفاهيم العلمية والتقنية، ارتفعت قدرة المجتمع على المشاركة في إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها.
غير أن رأس المال اللغوي، مثل أي رأس مال آخر، يمكن أن ينمو أو يتآكل. ينمو بالتعليم الجيد، والقراءة، وبناء بيئة لغوية صحية في المدرسة والإعلام والمؤسسات. ويتآكل بالإهمال، والسطحية، وضعف العناية بالتعبير، والاعتماد المفرط على بدائل لغوية دون حاجة حقيقية.
إن النظر إلى اللغة بوصفها رأس مال يغيّر طريقة التعامل معها. فهي ليست فقط جزءًا من الهوية الثقافية، بل موردًا يرفع قيمة الإنسان والمجتمع معًا. وحين ندير هذا الرأس المال بحكمة، فإننا لا نحافظ على اللغة ونستثمر أيضا في قدرة المجتمع على الفهم والإنتاج والابتكار.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز