الدكتور محمد الكواري: تسريع التنفيذ وتعزيز الشراكات يمثلان أولوية المرحلة الحاسمة حتى عام 2030
شبكة بيئة أبوظبي، المنامة، مملكة البحرين، 24 يوليو 2026
ضمن أعمال الملتقى العلمي الدولي “محاكاة المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2026” (HLPF Simulation 2026)، الذي نظمته الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية تحت شعار “نحاكي التجربة الأممية… ونصنع الأثر التنموي”، قدم المستشار سعادة الدكتور محمد بن سيف الكواري، الخبير والباحث الدولي في مجال الاستدامة والمفوض الأممي للترويج لأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ورقة علمية بعنوان “استعراض التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة عالميًا: الإنجازات والتحديات وآفاق تحقيق أجندة 2030″، تناول فيها قراءة تحليلية شاملة لمسيرة تنفيذ أهداف التنمية المستدامة منذ اعتمادها عام 2015، مستنداً إلى أحدث تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.
وأوضح الدكتور محمد الكواري أن خطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2015، تمثل الإطار العالمي الأشمل لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، من خلال 17 هدفاً و169 غاية، ترتكز جميعها على مبدأ محوري هو “عدم ترك أحد خلف الركب”، بما يضمن استفادة جميع فئات المجتمع من ثمار التنمية بصورة عادلة ومتوازنة.
وأشار إلى أنه بعد أكثر من عشر سنوات على إطلاق أجندة 2030، تكشف المؤشرات الدولية عن تفاوت واضح في مستويات التقدم بين الدول وبين أهداف التنمية المختلفة، حيث تحقق تقدم ملموس في مجالات مثل الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الوصول إلى عدد من الخدمات الأساسية، في حين لا تزال أهداف القضاء على الفقر والجوع، وتعزيز الأمن الغذائي، والعمل المناخي، وحماية التنوع البيولوجي، وتحقيق السلام والعدالة، والحد من أوجه عدم المساواة، تواجه تحديات كبيرة تعيق تحقيقها ضمن الإطار الزمني المحدد.
وأكد أن هذه التحديات تعقدت بفعل الأزمات العالمية المتلاحقة، وفي مقدمتها جائحة كوفيد-19، وتسارع آثار تغير المناخ، وازدياد الكوارث الطبيعية، والصراعات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وأزمات الغذاء والطاقة، وارتفاع مستويات الديون في العديد من الدول النامية، وهو ما أدى إلى تباطؤ التقدم، بل وتراجع الأداء في عدد من أهداف التنمية المستدامة. وأضاف أن أحدث تقارير الأمم المتحدة تشير بوضوح إلى أن العالم لا يزال بعيداً عن المسار المطلوب لتحقيق أهداف أجندة 2030، الأمر الذي يستوجب تسريعاً غير مسبوق في وتيرة التنفيذ، وتعزيز التعاون الدولي، وزيادة الاستثمارات في التنمية المستدامة، وتوظيف الابتكار والتكنولوجيا لخدمة الفئات الأكثر احتياجاً.
واستعرضت الورقة التقييم العالمي لمستوى التقدم في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، موضحة أن الأمم المتحدة تصنف الأداء العالمي إلى أربع فئات رئيسية، في ظل استمرار نسبة محدودة فقط من الغايات على المسار الصحيح، بينما يحتاج معظمها إلى تسريع كبير أو يشهد تراجعاً مقارنة بخط الأساس لعام 2015، وهو ما يبرز الحاجة إلى مراجعة السياسات الحالية ورفع كفاءة التنفيذ خلال السنوات الخمس المتبقية حتى عام 2030.
وفي المقابل، سلط الدكتور الكواري الضوء على أبرز الإنجازات العالمية التي تحققت خلال العقد الماضي، وفي مقدمتها النمو غير المسبوق في قطاع الطاقة المتجددة، والانخفاض الكبير في تكاليف إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب التوسع في التحول الرقمي الذي أسهم في تحسين الوصول إلى الخدمات الحكومية والتعليمية والصحية والمالية، خاصة في الدول النامية. كما أشار إلى الاستثمارات الكبيرة التي شهدتها البنية التحتية في مجالات النقل والمياه والطاقة والاتصالات، إضافة إلى التوسع في الشمول المالي الرقمي، والاهتمام المتزايد بالاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري والهيدروجين الأخضر وتقنيات احتجاز الكربون، باعتبارها محركات رئيسة للنمو المستدام في المستقبل.
وأوضح أن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تزال غير كافية لتعويض التراجع المسجل في أهداف أخرى أكثر ارتباطاً بحياة الإنسان، مثل القضاء على الفقر، والقضاء على الجوع، والصحة، والتعليم، والعمل المناخي، والتنوع البيولوجي، مشيراً إلى أن استمرار الفجوة التمويلية، واتساع آثار التغير المناخي، وتصاعد النزاعات، كلها عوامل تزيد من صعوبة تحقيق أهداف التنمية المستدامة في موعدها.
كما تناولت الورقة مجموعة من التوصيات العملية لتسريع تنفيذ أجندة 2030، شملت مضاعفة الاستثمارات في الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، وتسريع تنفيذ الالتزامات المناخية وفق اتفاق باريس، وإصلاح منظومة التمويل الدولي لدعم الدول النامية، وتعزيز الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتوسيع الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، وتعزيز التحول الرقمي والشمول المالي، وبناء نظم إحصائية وطنية متطورة لقياس مؤشرات أهداف التنمية المستدامة، ودمج الشباب والمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة في سياسات التنمية، إضافة إلى توسيع تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري وكفاءة استخدام الموارد، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي وتبادل الخبرات والتكنولوجيا.
وفي ختام ورقته، أكد الدكتور محمد بن سيف الكواري أن التجربة العالمية خلال السنوات الماضية أثبتت أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يعتمد على النمو الاقتصادي وحده، وإنما يتطلب نموذجاً تنموياً متكاملاً يجمع بين العدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، والنمو الاقتصادي، والحوكمة الرشيدة، والابتكار، والشراكات الفاعلة. وشدد على أن السنوات الخمس المتبقية حتى عام 2030 تمثل فرصة حاسمة للمجتمع الدولي لمضاعفة الجهود، وتعزيز التمويل، وتسريع نقل التكنولوجيا، وبناء شراكات أكثر فاعلية، بما يضمن تحقيق تنمية أكثر شمولاً واستدامة وقدرة على مواجهة التحديات العالمية، ويحول أهداف التنمية المستدامة من التزامات دولية إلى واقع ملموس ينعكس إيجاباً على حياة الإنسان في جميع أنحاء العالم.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز