الدكتور سامي العدواني: نجاح أجندة 2030 يبدأ من الحوكمة والبيانات والشراكات الفاعلة
شبكة بيئة أبوظبي، المنامة، مملكة البحرين، 24 يوليو 2026
ضمن أعمال الملتقى العلمي الدولي “محاكاة المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2026” (HLPF Simulation 2026)، الذي نظمته الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية تحت شعار “نحاكي التجربة الأممية… ونصنع الأثر التنموي”، قدم سعادة الدكتور سامي محمد العدواني، الخبير الدولي في الاستدامة ومدير عام الشبكة التطوعية لقيادة أهداف التنمية المستدامة بدولة الكويت، ورقة علمية متخصصة بعنوان “المنتدى السياسي رفيع المستوى… آليات وأدوات”، تناول فيها البنية المؤسسية للمنتدى السياسي الرفيع المستوى، ودوره في قيادة منظومة المتابعة العالمية لأهداف التنمية المستدامة، وأهم أدواته وآليات عمله.
وأكد الدكتور العدواني أن المنتدى السياسي رفيع المستوى يمثل المنصة الأممية الرئيسة لمتابعة تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030، حيث يعمل تحت مظلة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)، ويشكل الإطار العالمي الذي يجمع الحكومات، ووكالات الأمم المتحدة، والمؤسسات المالية الدولية، والقطاع الخاص، والأوساط الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني، بهدف مراجعة التقدم المحرز، وتبادل الخبرات، وبناء توافق دولي حول أولويات التنمية المستدامة.
وأوضح أن المنتدى، منذ إنشائه عام 2013، أصبح الأداة الرئيسة لمتابعة تنفيذ أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، مؤكداً أن أهميته تعززت بعد اعتماد أجندة الأمم المتحدة 2030، حيث يقوم على مبادئ الشفافية، والتعلم المتبادل، والمسؤولية المشتركة، ويتيح للدول استعراض تجاربها التنموية من خلال التقارير الوطنية الطوعية (VNRs) التي أصبحت إحدى أهم منصات تبادل الخبرات وأفضل الممارسات المؤسسية على المستوى الدولي.
كما استعرضت الورقة العلمية خارطة الطريق السنوية لأعمال المنتدى السياسي رفيع المستوى لعام 2026، موضحةً المراحل التحضيرية التي تبدأ منذ الأشهر الأولى من العام، مروراً بالاجتماعات الفنية والإقليمية، وانتهاءً بانعقاد المنتدى في نيويورك، بما يعكس الطبيعة المؤسسية المتكاملة لهذا الحدث الأممي وأهميته في تنسيق الجهود الدولية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي محور آخر، قدم الدكتور العدواني قراءة تحليلية لحصيلة التقارير الوطنية الطوعية منذ انطلاقها، مبيناً أن أكثر من 190 دولة والاتحاد الأوروبي قدموا ما لا يقل عن تقرير وطني واحد، فيما بلغ إجمالي التقارير المقدمة حتى منتصف عام 2025 نحو 402 تقريراً وطنياً، الأمر الذي يعكس تنامي الالتزام الدولي بمراجعة التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ويؤكد أن التقارير الوطنية أصبحت أداة عالمية للتعلم وتبادل الخبرات، وليس مجرد وثائق لعرض الإنجازات.
وتوقفت الورقة عند تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2026، واصفةً إياه بأنه يمثل مرحلة انتقالية من قياس الأداء إلى تسريع التنفيذ، في ظل اقتراب العالم من الموعد المستهدف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. وأوضح الباحث أن التقرير يوجه رسالة واضحة لصناع القرار مفادها أن السنوات الخمس المتبقية تتطلب تحولاً نوعياً في سرعة التنفيذ، وسد فجوات التمويل، وتعزيز الحوكمة، وبناء شراكات أكثر فاعلية، بما يسهم في تحقيق أثر تنموي ملموس خلال الفترة المتبقية من الأجندة العالمية.
وأشار العدواني إلى أن التقرير الأممي كشف عن عدد من الرسائل الجوهرية، من أبرزها استمرار التفاوت العالمي في تحقيق الأهداف، حيث إن نسبة محدودة فقط من الغايات تسير على المسار الصحيح، في حين تشهد أهداف أخرى تقدماً بطيئاً أو حالة من التراجع، الأمر الذي يستدعي إعادة ترتيب الأولويات وتسريع وتيرة التنفيذ، ولا سيما في الدول النامية.
كما أبرزت الورقة عدداً من المؤشرات الإيجابية التي رصدها التقرير، ومنها التوسع في برامج الحماية الاجتماعية، وتحسن الوصول إلى الكهرباء، وانخفاض وفيات الكوارث، وتحسن خدمات المياه والصرف الصحي، مؤكدة أن هذه الإنجازات تثبت إمكانية تحقيق تقدم حقيقي عندما تتوافر الإرادة السياسية والاستثمارات المناسبة والسياسات الفاعلة.
وفي سياق التحديات العالمية، أوضح الباحث أن تقرير عام 2026 ربط بصورة أوضح بين التنمية المستدامة والأمن العالمي، معتبراً أن النزاعات المسلحة، وأزمات الديون، والتغير المناخي، والأمن الغذائي، والطاقة، وسلاسل الإمداد، أصبحت عوامل متداخلة تؤثر بصورة مباشرة في مسار تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهو ما يمثل تحولاً ملحوظاً في الخطاب الأممي مقارنة بالتقارير السابقة.
كما سلطت الورقة الضوء على التحديات التمويلية التي تواجه تنفيذ أجندة 2030، حيث أشار التقرير إلى اتساع فجوة تمويل التنمية، وتراجع المساعدات الإنمائية الرسمية والاستثمار الأجنبي المباشر في العديد من الدول النامية، في مقابل استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات الإنفاق الدولي ومدى توافقها مع متطلبات تحقيق التنمية المستدامة.
وأكد الدكتور العدواني أن من أهم الرسائل التي يحملها التقرير للعالم العربي أن الأولويات التي اختارها المنتدى السياسي رفيع المستوى هذا العام، وفي مقدمتها المياه، والطاقة، والبنية التحتية، والمدن المستدامة، والشراكات، تمثل في الوقت ذاته أولويات تنموية ملحة للدول العربية، الأمر الذي يستدعي تعزيز التعاون الإقليمي، وتسريع تنفيذ المبادرات المشتركة، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في هذه المجالات.
واختتم الباحث ورقته بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية لتقرير الأمم المتحدة لعام 2026 لا تتمثل في الدعوة إلى صياغة أهداف جديدة، وإنما في رفع كفاءة التنفيذ، وتسريع الإنجاز، وتعزيز استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي، وتطوير المؤسسات، وبناء الشراكات، باعتبارها الأدوات الأكثر أهمية لعبور المرحلة المتبقية حتى عام 2030 وتحقيق التنمية المستدامة بصورة أكثر فاعلية وشمولاً. كما استلهم في ختام عرضه مفهوم التضامن الاجتماعي من فكر ابن خلدون، مؤكداً أن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب تماسكاً مجتمعياً، وحوكمة رشيدة، وشراكة حقيقية بين مختلف مكونات المجتمع.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز