نحو نموذج استثماري متكامل للانتقال البيئي والمناخي
شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 05 أكتوبر 2026
الملخص
أصبح تطوير المشاريع الخضراء أحد أهم المداخل العملية لتحقيق الانتقال نحو نموذج تنموي منخفض الكربون وأكثر قدرة على الصمود أمام تغير المناخ. وتكتسب هذه المشاريع أهمية خاصة في المغرب بالنظر إلى تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه والتربة والغابات والتنوع البيولوجي، بالتوازي مع تواتر فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتزايد مخاطر الفيضانات والحرائق والتصحر. ويهدف هذا البحث إلى تحليل دور المشاريع الخضراء في المغرب في حماية رأس المال الطبيعي، وتقليص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتعزيز التكيف المناخي، مع مقارنة التجربة المغربية بعدد من التجارب الدولية، خصوصا ، وكوستاريكا في مجال استعادة الغطاء الغابوي، والاتحاد الأوروبي في مجال إعادة استعمال المياه واستعادة النظم البيئية.
اعتمد البحث منهجاً تحليلياً مقارناً يقوم على مراجعة الوثائق الرسمية والاستراتيجيات الوطنية والتقارير الدولية المتعلقة بالمناخ والمياه والطاقة والتنوع البيولوجي والاقتصاد الدائري. وتبين النتائج أن المغرب انتقل من مقاربة قطاعية للمشاريع البيئية إلى توجه أكثر تكاملاً، تجسده خصوصاً المساهمة المحددة وطنياً الثالثة CDN 3.0 التي تستهدف خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة إجمالية تصل إلى 53% سنة 2035 مقارنة بسيناريو خط الأساس، منها % 21.6 بشكل غير مشروط و% 31. رهينة بتعبئة الدعم الدولي. كما تتضمن CDN 3.0 محفظة من 90 مشروعاً للتخفيف و107 مشاريع للتكيف.
ويخلص البحث إلى أن نجاح المغرب في المرحلة المقبلة لن يتوقف فقط على زيادة عدد المشاريع الخضراء، بل على قدرتها على تحقيق أثر قابل للقياس في الماء والطاقة والتربة والتنوع البيولوجي والمناخ وفرص الشغل، وعلى الانتقال من منطق “المشروع المنعزل” إلى منطق المنظومة الخضراء الترابية التي تربط الاستثمار بالحفاظ على الموارد الطبيعية والعدالة المجالية والابتكار والتمويل المناخي.
الكلمات المفتاحية: المشاريع الخضراء؛ المغرب؛ تغير المناخ؛ الموارد الطبيعية؛ الاقتصاد الأخضر؛ الاقتصاد الدائري؛ الطاقات المتجددة؛ الأمن المائي؛ التنوع البيولوجي؛ التكيف المناخي؛ التمويل الأخضر.
مقدمة
يشهد العالم تحولاً متسارعاً في مفهوم التنمية، انتقل معه النقاش من مجرد تحقيق النمو الاقتصادي إلى البحث عن نماذج قادرة على الجمع بين الرفاه الاقتصادي والاجتماعي وحماية الموارد الطبيعية والحد من الانبعاثات وتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المناخية. وفي هذا السياق، أصبحت المشاريع الخضراء أداة عملية لترجمة السياسات والاستراتيجيات البيئية والمناخية إلى استثمارات وبرامج ومشاريع ذات نتائج قابلة للقياس.
ويكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة بالنسبة للمغرب، باعتباره بلداً يتميز بموارد طبيعية متنوعة، لكنه يوجد في الوقت نفسه ضمن المجالات الجغرافية الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي والتقلبات المناخية. فقد انخفضت حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة من حوالي 2,560 م³ سنوياً سنة 1960 إلى نحو 620 م³ في السنوات الأخيرة، وهو مستوى يضع البلاد ضمن نطاق الإجهاد المائي البنيوي، ويقربها من عتبة الندرة المائية المطلقة المحددة تقليدياً في 500 م³ للفرد سنوياً (World Bank, 2022).
وتشير التوقعات المناخية الوطنية إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض التساقطات وتزايد تواتر الظواهر المناخية القصوى. وتفيد CDN 3.0 بأن متوسط درجات الحرارة السنوية في المغرب قد يعرف ارتفاعاً يتجاوز 3 درجات مئوية على المستوى الوطني بحلول أفق 2050 في بعض السيناريوهات، مع احتمال بلوغ الارتفاعات حوالي 5 درجات في بعض المناطق، بالتوازي مع انخفاض عام في التساقطات يتراوح غالباً بين 5 و15% وقد يصل إلى 20% في بعض المجالات (Royaume du Maroc, 2025).
ومن ثم، لم يعد الاستثمار الأخضر خياراً قطاعياً محدوداً بالطاقة المتجددة أو التشجير، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية مرتبطة بالأمن المائي والغذائي والطاقي، وبالقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وبخلق فرص شغل جديدة، وبحماية النظم البيئية.
1- المعطيات الأساسية للبحث
1-1 إشكالية البحث
تتمثل الإشكالية المركزية للبحث في السؤال التالي: إلى أي حد يمكن للمشاريع الخضراء أن تشكل أداة فعالة للمغرب للحفاظ على موارده الطبيعية، والحد من تغير المناخ، وتعزيز التكيف مع آثاره، وفي الوقت نفسه خلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الفرعية:
1. ما المقصود بالمشروع الأخضر في السياق المغربي؟
2. ما أهم القطاعات ذات الأولوية للاستثمار الأخضر؟
3. ما المؤشرات الكمية التي تسمح بقياس أثر المشاريع الخضراء؟
4. ما حدود النموذج الحالي للمشاريع البيئية والمناخية؟
5. ماذا يمكن للمغرب أن يستفيد من التجارب الدولية؟
6. كيف يمكن الانتقال من مشاريع متفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة للمشاريع الخضراء؟
1-2 فرضيات البحث
ينطلق البحث من ثلاث فرضيات أساسية.
الفرضية الأولى: كلما تم دمج حماية الموارد الطبيعية والتخفيف من الانبعاثات والتكيف المناخي داخل المشروع نفسه، ارتفع الأثر البيئي والاقتصادي والاجتماعي للمشروع.
الفرضية الثانية: تمثل قطاعات المياه والطاقة والزراعة والغابات والنفايات والمدن والنظم البيئية المجالات الأكثر قدرة على إنتاج مشاريع خضراء ذات أثر قابل للقياس في المغرب.
الفرضية الثالثة: يمكن للمغرب تسريع انتقاله الأخضر من خلال الاستفادة من التجارب الدولية، شرط تكييفها مع خصوصياته المائية والمناخية والاجتماعية والمجالية، وعدم نقل النماذج الخارجية بصورة ميكانيكية.
1-3 المنهجية
اعتمد البحث منهجاً وصفياً وتحليلياً ومقارنًا، من خلال مراجعة الوثائق الرسمية المغربية والتقارير الصادرة عن البنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة ومنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ.
كما تم اعتماد مؤشرات كمية تشمل: الموارد المائية للفرد، السحوبات المائية، مساحة الغابات، انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للفرد، أهداف خفض الانبعاثات، عدد مشاريع التخفيف والتكيف، استثمارات الماء وإعادة استعمال المياه العادمة، ومؤشرات استعادة النظم البيئية.
وقد تم اعتماد المقارنة الدولية باعتبارها أداة لاستخلاص الدروس وليس لترتيب الدول، نظراً لاختلاف الظروف الاقتصادية والجغرافية والمؤسساتية لكل دولة
2- الإطار المفاهيمي للمشاريع الخضراء
يمكن تعريف المشروع الأخضر بأنه مشروع استثماري أو تنموي يهدف بصورة مباشرة إلى تحقيق منفعة بيئية قابلة للقياس، مع إنتاج قيمة اقتصادية أو اجتماعية، من خلال تقليل استهلاك الموارد الطبيعية أو تقليص التلوث والانبعاثات أو حماية واستعادة النظم البيئية أو تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ.
وبهذا المعنى، لا ينبغي اختزال المشروع الأخضر في مشروع للطاقة الشمسية أو الريحية فقط. فمشروع إعادة استعمال المياه العادمة، أو استعادة الأراضي المتدهورة، أو حماية الأراضي الرطبة، أو تطوير الزراعة الإيكولوجية، أو تحويل النفايات إلى موارد، أو إنشاء شبكة نقل جماعي منخفضة الكربون، يمكن أن يكون مشروعاً أخضر متكاملاً.
يقوم المشروع الأخضر الناجح على منظومة متكاملة من ستة عناصر مترابطة، تبدأ بتحديد المورد الطبيعي الذي يشكل قاعدة المشروع، ثم تشخيص الضغط البيئي الذي يهدد استدامته، يليه اعتماد حل تقني أو قائم على الطبيعة قادر على معالجة هذا الضغط بكفاءة وابتكار. ويتطلب تحويل هذا الحل إلى واقع تعبئة استثمار مناسب ومستدام يضمن قابلية المشروع للتنفيذ والاستمرارية، بما يؤدي إلى تحقيق أثر بيئي إيجابي قابل للقياس، مثل تقليص استهلاك المياه أو خفض الانبعاثات أو حماية التنوع البيولوجي، وينتهي بتوليد قيمة اقتصادية واجتماعية من خلال خلق فرص الشغل، وتحسين الدخل، وتعزيز صمود المجتمعات المحلية، بما يجعل المشروع الأخضر أداة عملية للانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون وأكثر عدالة واستدامة.
ومن هنا يمكن الانتقال من مفهوم “المشروع البيئي” التقليدي إلى مفهوم أكثر شمولاً هو المشروع الأخضر ذي الأثر المناخي.
3- السياق المغربي: من التنمية المستدامة إلى الانتقال الأخضر
اعتمد المغرب خلال السنوات الماضية مجموعة من الاستراتيجيات والبرامج التي تؤسس للتحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، من بينها الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والاستراتيجية الوطنية للمياه، والسياسات المتعلقة بالطاقة المتجددة والنجاعة الطاقية، وبرامج الفلاحة المستدامة، والاقتصاد الدائري، وحماية الغابات والتنوع البيولوجي.
وقد حددت الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة هدف الانتقال التدريجي نحو اقتصاد أخضر وشامل في أفق 2030، بما يدمج الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في السياسات العمومية (وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، 2017).
لكن التطور الأكثر أهمية يتمثل حالياً في CDN 3.0 للفترة 2026–2035، التي رفعت الطموح الوطني في مجال التخفيف من تغير المناخ. فقد انتقل المغرب من هدف 42% في CDN الأولى، إلى 45.5% في CDN الثانية، ثم إلى 53% في CDN 3.0 لسنة 2035 مقارنة بسيناريو خط الأساس.
ويشمل هذا الطموح 21.6% خفضاً غير مشروط و31.4% خفضاً مشروطاً بتعبئة الدعم الدولي. كما تتضمن الخطة 90 مشروعاً للتخفيف و107 مشاريع للتكيف، وهو ما يجعل مفهوم “المشروع الأخضر” جزءاً مركزياً من السياسة المناخية المغربية (Royaume du Maroc, 2025).
3-1 المؤشرات الأساسية لضغط الموارد الطبيعية في المغرب
تكشف المؤشرات البيئية والمناخية عن حجم التحدي الذي ينبغي للمشاريع الخضراء أن تستجيب له. فوفق بيانات البنك الدولي، لا تتجاوز حصة الغابات حوالي 12.9% من مساحة البلاد سنة 2023، بينما بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون باستثناء استخدامات الأراضي حوالي 1.8 طن مكافئ للفرد سنة 2024. كما بلغت السحوبات السنوية من المياه العذبة حوالي 36% من الموارد الداخلية المتاحة سنة 2022.
ويُظهر مؤشر الموارد المائية أن التحدي المغربي ليس مجرد ندرة طبيعية، بل هو نتيجة تفاعل النمو السكاني والاقتصادي مع تغير المناخ والاستغلال المكثف للمياه الجوفية والسطحية.
وعليه، فإن المشروع الأخضر المغربي ينبغي أن يقاس ليس فقط بعدد الأشجار المزروعة أو عدد الألواح الشمسية المركبة، وإنما أيضاً بكمية المياه التي تم اقتصادها، والهكتارات التي تمت استعادتها، وكمية الانبعاثات التي تم تفاديها، والنفايات التي تم تثمينها، وعدد فرص العمل الخضراء التي تم خلقها.
3-2 الطاقة المتجددة: من الانتقال الطاقي إلى إزالة الكربون
يمثل قطاع الطاقة أحد أهم المجالات التي يمكن أن تنتج مشاريع خضراء ذات أثر مباشر على الانبعاثات. وقد أشار تقرير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن قطاع إنتاج الكهرباء يمثل المجال الأكثر أهمية في جهود التخفيف المناخي بالمغرب.
وقد حدد المغرب في CDN 2.0 هدف رفع حصة الكهرباء المتجددة إلى 52% من إنتاج الكهرباء في أفق 2030، موزعة على الطاقة الشمسية والريحية والكهرومائية. أما CDN 3.0 فتتجه إلى رفع القدرة المركبة من الطاقات المتجددة إلى أكثر من 15 جيغاواط في أفق 2030، بما ينسجم مع هدف مضاعفة وتسريع نشر الطاقات المتجددة.
وتشير محفظة CDN 3.0 إلى أن مشاريع إنتاج الكهرباء يمكن أن تحقق حوالي 36.7 مليون طن مكافئ CO₂ من التخفيضات المتوقعة في 2035، وهو ما يوضح الوزن الاستراتيجي للمشاريع الطاقية الخضراء.
غير أن التحدي المقبل لا يكمن فقط في إنتاج الطاقة الشمسية والريحية، بل في تطوير الشبكات الذكية، والتخزين، وإدارة الطلب، والربط الكهربائي، وإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وتحسين الكفاءة الطاقية في المباني والصناعة والنقل.
3-4 المشاريع الخضراء والأمن المائي
يمثل الماء المجال الأكثر إلحاحاً للمشاريع الخضراء في المغرب. فاستمرار الجفاف وتراجع الموارد المائية يجعل من الضروري الانتقال من سياسة زيادة العرض فقط إلى سياسة تجمع بين تدبير الطلب، واقتصاد المياه، وإعادة الاستعمال، والتحلية، وحماية الأحواض والفرشات المائية.
وقد أطلق المغرب برامج مهمة في تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة وتحسين مردودية شبكات توزيع الماء وتحديث الري. وفي إطار برنامج الأمن المائي والقدرة على الصمود، يستهدف المغرب توفير حوالي 52 مليون متر مكعب من المياه العادمة المعالجة لإعادة الاستعمال، إلى جانب توفير حوالي 25 مليون متر مكعب من مياه الشرب من خلال الحد من ضياعات شبكات التوزيع.
وهنا تبرز أهمية مفهوم المشروع الأخضر المائي باعتباره مقاربة متكاملة لا تقتصر على إنتاج المياه أو تعبئة موارد إضافية، وإنما تقوم على تدبير الدورة الكاملة للمياه وفق مبادئ الاقتصاد الدائري والكفاءة والاستدامة. وتنطلق هذه المقاربة من جمع المياه العادمة ومعالجتها وفق المعايير البيئية والصحية المعتمدة، ثم تخزينها وتدبيرها بطرق آمنة وإعادة توجيهها نحو الاستخدامات المناسبة، ولاسيما الفلاحة والمجالات الخضراء وبعض الأنشطة الصناعية، بما يسمح بتحويل المياه العادمة من مصدر للضغط والتلوث إلى مورد مائي بديل. ويساهم هذا النموذج في تقليل الضغط على المياه العذبة والمياه الجوفية والسدود، وترشيد الاستهلاك، وتعزيز الأمن المائي، والحد من التلوث، ودعم قدرة المجالات الترابية والمجتمعات المحلية على التكيف مع الجفاف وتغير المناخ. كما ينبغي ربط محطات التحلية بالطاقة المتجددة للحد من البصمة الكربونية، مع اعتماد تقنيات للحد من الآثار البيئية لتصريف المحلول الملحي.
3-5 الزراعة الإيكولوجية والزراعة الذكية مناخياً
يمثل القطاع الفلاحي أحد أهم المجالات التي يمكن من خلالها الجمع بين التكيف والتخفيف وحماية الموارد الطبيعية. وتتمثل المشاريع الخضراء ذات الأولوية في: الري الموضعي عالي الكفاءة؛ الزراعة الحافظة للتربة؛ الزراعة بدون حرث أو بالحد الأدنى للحرث؛ استعمال الأصناف المقاومة للجفاف؛ الزراعة الإيكولوجية؛ الاقتصاد في الأسمدة والمبيدات؛ تثمين المخلفات الزراعية؛ استعمال الطاقة الشمسية في الضخ؛ إنتاج البيوغاز؛ تطوير السلاسل القصيرة والغذاء المحلي؛ استعادة الواحات والنظم الزراعية التقليدية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل تزايد مخاطر الجفاف. وقد أظهرت تجارب سابقة في المغرب أن بعض مشاريع الزراعة المستدامة يمكن أن تحقق في الوقت نفسه مكاسب في التكيف وتخزين الكربون.
ويبرز هنا مفهوم الاستثمار في الطبيعة، حيث تصبح التربة والمياه والتنوع الزراعي أصولاً إنتاجية ينبغي الحفاظ عليها، وليس مجرد موارد مجانية.
3-6 الغابات واستعادة النظم البيئية
تمثل الغابات المغربية حاجزاً طبيعياً ضد التصحر وتدهور التربة، كما تشكل مخزوناً للكربون وموئلاً للتنوع البيولوجي ومصدراً للدخل بالنسبة للسكان المحليين. ومن التجارب المهمة مشروع “اتفاق باريس في العمل: توسيع استعادة الغابات والمناظر الطبيعية لتحقيق المساهمات المحددة وطنياً”، الذي استهدف استعادة 5,000 هكتار من الغابات المتدهورة، وتحقيق خفض يقدر بـ 1.285 مليون طن مكافئ CO₂ بحلول 2038، والاستفادة المباشرة لحوالي 6,500 شخص، مع استهداف نسبة لا تقل عن 43% من النساء ضمن المستفيدين.
وتبرز هذه التجربة أهمية الانتقال من التشجير الكمي إلى استعادة النظم البيئية، أي اختيار الأنواع المحلية، وتحسين خصوبة التربة، واستعادة الدورة المائية، وإعادة بناء الموائل الطبيعية، وإشراك السكان المحليين.
3-7 الاقتصاد الدائري والنفايات
يمثل الاقتصاد الدائري أحد المجالات الواعدة للمشاريع الخضراء بالمغرب. فبدلاً من التعامل مع النفايات باعتبارها عبئاً يجب التخلص منه، ينبغي النظر إليها باعتبارها مورداً يمكن استرجاعه وإعادة استعماله أو تحويله إلى مادة أولية أو طاقة.
وتعمل المقاربة المغربية، بدعم من برنامج SwitchMed التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، على تطوير الاستهلاك والإنتاج المستدامين، والمسؤولية الممتدة للمنتج، والاقتصاد الدائري، والحد من هدر الغذاء، والبناء المستدام.
وتتطلب المرحلة المقبلة الانتقال من التدبير التقليدي للنفايات إلى نموذج متكامل للاقتصاد الدائري يقوم على تطوير مشاريع عملية تبدأ بـالفرز من المصدر، باعتباره الخطوة الأساسية لتحسين جودة النفايات القابلة للتثمين، ثم اعتماد الجمع الانتقائي بما يضمن توجيه كل نوع من النفايات إلى المسار المناسب، وصولاً إلى التثمين وإعادة التدوير وإعادة الاستخدام وتحويل النفايات إلى مواد وموارد ذات قيمة. وينبغي أن تتوج هذه السلسلة بتطوير أنشطة التصنيع الأخضر التي تخلق منتجات جديدة وفرصاً اقتصادية ومهنية، وتقلل من استنزاف الموارد الطبيعية وحجم النفايات الموجهة إلى المطامر، بما يعزز الانتقال نحو اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام الموارد، وأقل تلويثاً، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المستدامة.
ويجب ألا يقتصر قياس نجاح هذه المشاريع على كمية النفايات المعالجة، بل يجب قياس كمية المواد الأولية التي تم استبدالها، والطاقة التي تم اقتصادها، والانبعاثات التي تم تفاديها، وعدد فرص العمل الخضراء.
3-8 المدن الخضراء والطبيعة داخل المدن
تواجه المدن المغربية ضغوطاً متزايدة مرتبطة بالحرارة والتلوث والسيول والنمو العمراني واستهلاك الطاقة. ولذلك يمكن للمشاريع الخضراء الحضرية أن تلعب دوراً مهماً في التكيف المناخي. وتشمل هذه المشاريع: الحدائق الحضرية؛ الغابات الحضرية؛ الأسطح الخضراء؛ الأسطح الشمسية؛ ممرات المشاة والدراجات؛ النقل العمومي منخفض الكربون؛ إعادة استعمال المياه المعالجة في المساحات الخضراء؛ أنظمة تصريف مياه الأمطار القائمة على الطبيعة؛ استعادة الأودية والمناطق الرطبة الحضرية؛ التشجير بالأصناف المحلية.
وتكتسب الحلول القائمة على الطبيعة Nature-based Solutions أهمية خاصة لأنها يمكن أن تحقق عدة أهداف في الوقت نفسه: تخفيض درجات الحرارة، تحسين جودة الهواء، الحد من الفيضانات، تخزين الكربون، وحماية التنوع البيولوجي.
3-9 الأراضي الرطبة والمناطق الساحلية
يجب إدماج الأراضي الرطبة والسواحل ضمن منظومة المشاريع الخضراء الوطنية، لأنها تمثل مناطق ذات قيمة عالية في تخزين الكربون وحماية التنوع البيولوجي وتقليل مخاطر الفيضانات وتوفير الخدمات البيئية. ويمكن تطوير مشاريع تعتمد على: استعادة الأراضي الرطبة؛ حماية مصبات الأنهار؛ إعادة تأهيل البحيرات والمرجات؛ استعادة الكثبان الساحلية؛ حماية الغطاء النباتي الساحلي؛ السياحة البيئية؛ الرصد البيئي الرقمي؛ إشراك المدارس والجامعات والجمعيات؛ تطوير الاقتصاد الأزرق المستدام.
وفي هذا المجال، يمكن للمغرب أن ينتقل من حماية المواقع الطبيعية فقط إلى تحويلها إلى مختبرات حية للتكيف المناخي والبحث العلمي والتعليم البيئي والاقتصاد المحلي.
4- مقارنة المغرب مع تجارب دولية
4-1 كوستاريكا: حماية الغابات باعتبارها استثماراً اقتصادياً ومناخياً
تقدم كوستاريكا نموذجاً مختلفاً يقوم على جعل حماية الغابات والتنوع البيولوجي جزءاً من الاقتصاد الوطني. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الغابات تغطي حوالي 60.4% من مساحة البلاد سنة 2023. وتكمن أهمية التجربة في اعتماد آليات مالية ومؤسساتية جعلت من الحفاظ على خدمات النظم البيئية جزءاً من السياسات الاقتصادية.
الدرس بالنسبة للمغرب: ينبغي الانتقال من تمويل التشجير فقط إلى تمويل خدمات النظام البيئي، مثل تخزين الكربون، حماية التربة، تنظيم المياه، حفظ التنوع البيولوجي والسياحة البيئية.
4-2 الاتحاد الأوروبي: استعادة الطبيعة كسياسة مناخية
اعتمد الاتحاد الأوروبي في 2024 قانون استعادة الطبيعة، الذي يضع أهدافاً ملزمة لاستعادة النظم البيئية المتدهورة، مع هدف أن تشمل إجراءات الاستعادة ما لا يقل عن 20% من اليابسة والبحر بحلول 2030، وصولاً إلى استعادة جميع النظم التي تحتاج إلى ذلك بحلول 2050. وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن كل يورو يستثمر في استعادة الطبيعة يمكن أن ينتج منافع تقدر بحوالي 4 إلى 38 يورو، وفق نوع الاستثمار والنظام البيئي.
الدرس بالنسبة للمغرب: ينبغي النظر إلى استعادة الطبيعة ليس كمصاريف بيئية، وإنما كاستثمار يولد منافع اقتصادية واجتماعية ومناخية متعددة.
5- من المشروع الأخضر إلى “منظومة المشروع الأخضر” بالمغرب
تكشف المقارنة أن التحدي الأساسي للمغرب ليس نقص المشاريع، وإنما الحاجة إلى ربط المشاريع ببعضها. فعلى سبيل المثال، يمكن تصميم مشروع ترابي متكامل ومستدام يقوم على الربط بين الطاقة والمياه والفلاحة والموارد الطبيعية ضمن منظومة اقتصادية دائرية، تبدأ بتوظيف الطاقة الشمسية لتشغيل وحدات تحلية أو معالجة المياه، ثم إعادة استعمال المياه المعالجة في الزراعة المستدامة وفق تقنيات مقتصدة للمياه. وفي مرحلة لاحقة، يتم تثمين المخلفات الزراعية وتحويلها إلى موارد منتجة، مثل البيوغاز أو السماد العضوي، بما يساهم في استعادة خصوبة التربة وتحسين قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، وتعزيز تخزين الكربون في التربة والغطاء النباتي، قبل أن تمتد القيمة المضافة للمشروع إلى خلق فرص شغل خضراء ودعم الاقتصاد المحلي. وبهذا يتحول المشروع إلى منظومة ترابية مترابطة تجمع بين الأمن المائي والغذائي والطاقي، وحماية التربة، والحد من الانبعاثات، والتكيف مع تغير المناخ، وتحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. وهذا النموذج يحقق في الوقت نفسه أهدافاً مرتبطة بالماء والطاقة والغذاء والمناخ والاقتصاد الدائري.
5-1 نحو محفظة وطنية للمشاريع الخضراء
يقترح البحث تطوير محفظة وطنية للمشاريع الخضراء ذات الأثر المناخي تتكون من ثمانية محاور:
• المحور الأول: مشاريع الأمن المائي؛ تشمل إعادة استعمال المياه العادمة، الحد من ضياعات الشبكات، التحلية بالطاقة المتجددة، حصاد مياه الأمطار، حماية المياه الجوفية والري الذكي.
• المحور الثاني: مشاريع الطاقة النظيفة؛ تشمل الطاقة الشمسية والريحية والتخزين والشبكات الذكية وكفاءة الطاقة والهيدروجين الأخضر.
• المحور الثالث: مشاريع الطبيعة والمناخ؛ تشمل استعادة الغابات والمناطق الرطبة والواحات والمراعي والأنظمة الساحلية.
• المحور الرابع: مشاريع الزراعة الذكية مناخياً؛ تشمل الزراعة الإيكولوجية، الزراعة المحافظة، الأصناف المقاومة للجفاف، والري عالي الكفاءة.
• المحور الخامس: مشاريع الاقتصاد الدائري؛ تشمل الفرز من المصدر، التدوير، إعادة الاستخدام، تثمين النفايات العضوية والصناعية، وتقليل هدر الغذاء.
• المحور السادس: المدن الخضراء؛ تشمل النقل المستدام، التشجير الحضري، المباني منخفضة الكربون، وإعادة استعمال المياه.
• المحور السابع: الاقتصاد الأزرق؛ يشمل حماية السواحل، الصيد المستدام، تربية الأحياء المائية، السياحة البيئية، واستعادة النظم البحرية.
• المحور الثامن: الابتكار والرقمنة الخضراء؛ يشمل الاستشعار عن بعد، الذكاء الاصطناعي، نظم المعلومات الجغرافية، منصات الرصد المناخي، والإنذار المبكر.
5-2 مؤشرات مقترحة لقياس أثر المشاريع الخضراء
ولكي تصبح المشاريع الخضراء قابلة للتقييم والمقارنة وقياس أثرها بشكل موضوعي، يقترح البحث اعتماد لوحة مؤشرات وطنية موحدة تغطي مختلف الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية والمجالية للمشروعات. ويمكن أن تشمل هذه اللوحة، في المجال المناخي، كمية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المكافئ التي تم تفاديها سنوياً،
وفي مجال المياه حجم المياه التي تم اقتصادها وكمية المياه العادمة المعالجة والمعاد استعمالها، بينما يقاس الأداء الطاقي من خلال كمية الطاقة المتجددة المنتجة ونسبة انخفاض استهلاك الطاقة. كما ينبغي أن تشمل المؤشرات البيئية مساحات الغابات المستعادة، وعدد الأنواع أو الموائل المستعادة، ومساحة الأراضي المحمية من التدهور، وكميات النفايات المثمنة ونسبة المواد المعاد إدماجها في الاقتصاد الدائري.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، تقيس اللوحة القيمة الاقتصادية المتولدة، وعدد الوظائف الخضراء المستحدثة، ونسبة استفادة النساء والشباب، ومدى تحقيق العدالة المجالية من خلال عدد الأقاليم والجماعات المستفيدة، إضافة إلى مؤشر للابتكار يقيس عدد الحلول والتقنيات الخضراء المطورة محلياً. ومن شأن اعتماد هذه المنظومة أن يحول تقييم المشاريع الخضراء من التركيز على حجم الاستثمارات والأنشطة المنجزة إلى قياس النتائج والأثر الفعلي على المناخ والمياه والموارد الطبيعية والاقتصاد والمجتمع، بما يعزز الشفافية والنجاعة ويوجه التمويل العمومي والخاص نحو المشاريع الأكثر قدرة على تحقيق أثر بيئي وتنموي قابل للقياس.
5-3 التمويل: من المنح البيئية إلى الاستثمار الأخضر
يشكل التمويل أحد أهم محددات نجاح المشاريع الخضراء. فالتقديرات الدولية تشير إلى أن الانتقال المغربي نحو مسار منخفض الكربون وقادر على الصمود يتطلب استثمارات ضخمة؛ إذ قدر البنك الدولي الاحتياجات الإجمالية لمسار مرن ومنخفض الكربون نحو منتصف القرن بحوالي 78 مليار دولار بالقيمة الحالية. وفي المقابل، تقدر CDN 3.0 أن تنفيذ محفظة مشاريع التخفيف يتطلب تعبئة موارد مالية كبيرة، ما يؤكد ضرورة تنويع مصادر التمويل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى: السندات الخضراء؛ السندات المستدامة؛ التمويل المناخي الدولي؛ الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ صناديق الاستثمار الأخضر؛ التمويل القائم على النتائج؛ آليات الكربون؛ التمويل التشاركي؛ التمويل المحلي للجماعات الترابية؛ تمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة الخضراء.
كما ينبغي تطوير مفهوم “المشروع القابل للتمويل الأخضر”، أي المشروع الذي يتوفر على نموذج اقتصادي واضح، ومؤشرات أثر قابلة للتحقق، وآلية لتدبير المخاطر المناخية.
5-4 الحوكمة الترابية للمشاريع الخضراء
لا يمكن تحقيق الانتقال الأخضر من خلال الإدارة المركزية وحدها. فمعظم الموارد الطبيعية توجد في أقاليم وجهات وجماعات ترابية محددة. لذلك يقترح البحث اعتماد مخططات ترابية للمشاريع الخضراء، يتم فيها تحديد: الموارد الطبيعية الأساسية؛ المخاطر المناخية؛ القطاعات الأكثر هشاشة؛ المشاريع ذات الأولوية؛ مصادر التمويل؛ الشركاء؛ مؤشرات الأداء؛ آليات التتبع والتقييم.
وبذلك تتحول الجهة أو الإقليم إلى مختبر للانتقال الأخضر، حيث يمكن اختبار حلول مبتكرة قبل تعميمها وطنياً.
5-5 دور المجتمع المدني والجامعات والشباب
تحتاج المشاريع الخضراء إلى منظومة معرفية ومجتمعية موازية. فالجامعة توفر البحث والابتكار، والمجتمع المدني يوفر المشاركة المجتمعية والمراقبة، والشباب يمثل قوة الابتكار وريادة الأعمال، بينما يوفر القطاع الخاص الاستثمار والخبرة.
ولهذا ينبغي ألا يكون المجتمع المدني مجرد مستفيد أو شريك في أنشطة التحسيس، بل ينبغي إشراكه في: تحديد الأولويات؛ إنتاج البيانات؛ مراقبة المشاريع؛ التقييم البيئي والاجتماعي؛ التوعية؛ الابتكار الاجتماعي؛ الوساطة بين المؤسسات والمجتمعات المحلية.
5-6 من الاقتصاد الأخضر إلى “اقتصاد الأثر”
يقترح البحث الانتقال من قياس حجم الاستثمار إلى قياس الأثر الناتج عن الاستثمار. فمشروع بقيمة 100 مليون درهم ليس بالضرورة أكثر خضرة من مشروع بقيمة 10 ملايين درهم، إذا كان المشروع الثاني يوفر كمية أكبر من المياه، ويخلق وظائف أكثر، ويخفض الانبعاثات بنسبة أكبر، ويحمي نظاماً بيئياً أكثر هشاشة.
لذلك ينبغي اعتماد معادلة تقييم مبسطة:
الأثر الأخضر = الأثر المناخي + الأثر المائي + الأثر البيولوجي + الأثر الاقتصادي + الأثر الاجتماعي + الأثر الترابي.
وهذه المقاربة تسمح بإعادة توجيه الاستثمارات نحو المشاريع الأكثر مردودية بيئية واجتماعية.
6- مناقشة النتائج
تكشف الدراسة أن المغرب يمتلك أساساً مؤسساتياً وسياسياً مهماً لتطوير المشاريع الخضراء، وأن CDN 3.0 تمثل انتقالاً من تحديد أهداف عامة إلى بناء محفظة أكثر وضوحاً من مشاريع التخفيف والتكيف. لكن هناك ثلاثة تحديات رئيسية.
• أولاً، تحدي التنفيذ، إذ لا يكفي وجود الاستراتيجية أو المشروع؛ بل يجب ضمان التنفيذ والتتبع وقياس الأثر.
• ثانياً، تحدي التمويل، خصوصاً بالنسبة للمشاريع المحلية والصغيرة والمتوسطة والمشاريع القائمة على الطبيعة التي لا تحقق دائماً عائداً مالياً سريعاً رغم ارتفاع عائدها البيئي والاجتماعي.
• ثالثاً، تحدي التكامل، إذ يمكن لمشروع واحد أن يحقق نتائج إيجابية في قطاع لكنه ينتج آثاراً سلبية في قطاع آخر. ولذلك ينبغي اعتماد تقييم دورة الحياة والأثر المناخي والمائي والبيئي قبل الاستثمار.
التوصيات
استناداً إلى نتائج التحليل، يقترح البحث التوصيات التالية:
• أولاً: إنشاء منصة وطنية موحدة للمشاريع الخضراء مرتبطة بأهداف CDN 3.0 وأهداف التنمية المستدامة.
• ثانياً: إعطاء الأولوية للمشاريع التي تجمع بين التخفيف والتكيف، مثل الطاقة الشمسية المرتبطة بتحلية المياه أو معالجة المياه، والزراعة الذكية مناخياً، واستعادة الأحواض المائية.
• ثالثاً: تطوير نظام وطني لمؤشرات الأثر الأخضر، بحيث يكون لكل مشروع خط أساس وهدف زمني ومؤشر قابل للتحقق.
• رابعاً: تعزيز التمويل الموجه للمشاريع القائمة على الطبيعة، خصوصاً الغابات والمناطق الرطبة والواحات والسواحل.
• خامساً: تطوير الاقتصاد الدائري من خلال تعميم الفرز من المصدر والمسؤولية الممتدة للمنتج وسلاسل التثمين المحلية.
• سادساً: إدماج الشباب والنساء والمجتمع المدني في تصميم وتنفيذ ومراقبة المشاريع.
• سابعاً: تعزيز البحث العلمي والابتكار في مجالات المياه والطاقة والزراعة والمناخ والتنوع البيولوجي.
• ثامناً: ربط المشاريع الخضراء بالتشغيل، بحيث تصبح الوظائف الخضراء مؤشراً أساسياً لنجاح الاستثمار البيئي.
• تاسعاً: تطوير مشاريع تجريبية على مستوى الجهات يمكن تقييمها وتكرارها في جهات أخرى.
• عاشراً: اعتماد مبدأ “لا مشروع أخضر دون قياس الأثر”، بحيث تصبح البيانات المناخية والبيئية جزءاً من دورة المشروع منذ مرحلة التصميم.
الخلاصة
أثبت التحليل أن المشاريع الخضراء لم تعد مجالاً ثانوياً في السياسات التنموية المغربية، وإنما أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية لإعادة بناء العلاقة بين الاقتصاد والموارد الطبيعية والمناخ. فالمغرب يواجه في آن واحد تحديات الجفاف وندرة المياه وتدهور التربة والضغط على الغابات والتنوع البيولوجي وارتفاع الطلب على الطاقة وتغير المناخ. وفي المقابل، يمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، والاقتصاد الدائري، والزراعة الإيكولوجية، واستعادة النظم البيئية، وتحلية المياه، وإعادة استعمال المياه العادمة، والاقتصاد الأزرق. وتوفر CDN 3.0 للفترة 2026–2035 إطاراً مهماً لتجميع هذه الجهود، من خلال هدف خفض الانبعاثات بنسبة % 53 مقارنة بسيناريو خط الأساس، ومحفظة تضم 90 مشروعاً للتخفيف و107 مشاريع للتكيف. غير أن الانتقال من الطموح إلى الأثر يتطلب تغييراً في طريقة تصميم وتمويل وتقييم المشاريع. فالمشروع الأخضر المستقبلي ينبغي ألا يكون مجرد مشروع “أقل تلويثاً”، بل مشروعاً يعيد بناء رأس المال الطبيعي، ويوفر المياه والطاقة، ويخفض الانبعاثات، ويحمي التنوع البيولوجي، ويخلق فرص العمل، ويحقق العدالة المجالية.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي للمغرب خلال العقد المقبل يتمثل في الانتقال:
• من المشروع البيئي إلى المشروع الأخضر،
• ومن المشروع الأخضر إلى المشروع المناخي،
• ومن المشروع المناخي إلى المنظومة الترابية الخضراء،
• ومن الاستثمار الأخضر إلى اقتصاد الأثر.
وهذا المسار يمكن أن يجعل المغرب ليس فقط مستفيداً من التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، وإنما فاعلاً إقليمياً في تطوير نماذج تنموية ملائمة للمناطق الجافة وشبه الجافة، تجمع بين الأمن المائي والغذائي والطاقي وحماية الطبيعة والعدالة الاجتماعية.
المراجع
1. European Commission. (2024). Nature Restoration Regulation. European Union.
2. FAO. (2024). Accord de Paris en action: mise à l’échelle de la restauration des forêts et des paysages pour atteindre les contributions déterminées au niveau national – Maroc.
3. FAO. (2024). Priority 1: Enhanced capabilities for a green economy – FAO in Morocco.
4. FAO. (2024). Priority 6: Vulnerable regions – Actors for climate resilience – Morocco.
5. IEA. (2022). National Climate Resilience Assessment for Morocco. International Energy Agency, Paris.
6. IEA. (2019). Energy Policies Beyond IEA Countries: Morocco 2019. Paris.
7. OECD. (2023). OECD Environmental Performance Reviews: Israel 2023. OECD Publishing, Paris.
8. UNEP. (2023). How Morocco is Switching to a Circular Economy. United Nations Environment Programme, Nairobi.
9. World Bank. (2022). Morocco Country Climate and Development Report. Washington, D.C.
10. World Bank. (2023). Morocco Climate Operation and Support to the Nationally Determined Contribution Program-for-Results.
11. World Bank. (2023). New World Bank Program in Morocco Supports Efforts to Boost Water Security and Resilience for All.
12. World Bank. (2024). Promoting Climate Resilient Irrigation in Morocco.
13. World Bank. (2024). New Program will Boost Climate Resilience of Agriculture and Quality of Food Production in Morocco.
14. World Bank. (2026). Morocco Jobs and Green Growth Development Policy Operation.
15. World Bank Data. (2026). Morocco – Environment and Climate Indicators.
16. World Bank Data. (2026). Costa Rica – Environment and Climate Indicators.
17. Royaume du Maroc. (2025). Contribution Déterminée au niveau National – CDN 3.0 du Maroc 2026–2035. Convention-cadre des Nations Unies sur les changements climatiques.
18. Ministère de la Transition Énergétique et du Développement Durable. (2017). Stratégie Nationale de Développement Durable.
19. Royaume du Maroc. (2021). Contribution Déterminée au niveau National actualisée – CDN 2.0.
20. World Bank. (2019). Morocco Infrastructure Review.
21. OECD. (2023). Israel’s Sustainable Water Management Plans.
22. Nature Reviews Earth & Environment. (2024). Sustainable wastewater reuse for agriculture.
(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز