وهم «الكلب الخارق»… الجينات لا تصنع التفوق وحدها

تجربة طموحة بحثت عن سلالة استثنائية، فكشفت أن السلوك أعقد من نسبٍ عريق، وأن القدرات تتشكل بتفاعل الوراثة والبيئة

سلسلة «خواطر وراثية» حلقة (63)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، 15 أكتوبر 2026

هل نستطيع إنتاج كلب يجمع سرعة التعلم، وقوة الذاكرة، والشجاعة، والطاعة، والقدرة على حل المشكلات؟ يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يخفي حلمًا قديمًا: جمع أفضل الصفات في كائن واحد، وكأن الجينات قطع يمكن انتقاؤها وتركيبها وفق رغباتنا. وفي أربعينات القرن الماضي، اتخذ هذا الحلم شكل مشروع علمي طموح قاده “جون بول سكوت” و”جون فولر” في الولايات المتحدة. غير أن البحث عن «الكلب الخارق» انتهى إلى درس أعمق: الحياة لا تستجيب بسهولة لتصوراتنا عن التفوق.

مدرسة للكلاب وأسئلة عن الوراثة
في مختبر جاكسون، درس الباحثان نمو الكلاب وسلوكها، متابعين سلالات متعددة، ومختبرين التعلم والانفعالات والعلاقات الاجتماعية والاستجابة للتدريب. وشملت الدراسة خمس سلالات، منها البيغل والباسنجي والكوكر سبانييل وكلاب شتلاند للرعي والفوكس تيرير. كما أجريا تهجينًا بين الباسنجي والكوكر سبانييل لاستكشاف انتقال الصفات بين الأجيال. وجُمعت حصيلة هذا البرنامج في كتابهما المرجعي «الوراثة والسلوك الاجتماعي للكلب»، الصادر عام ١٩٦٥، والذي أصبح علامة بارزة في دراسة وراثة السلوك.

كانت أهمية المشروع في أنه تجاوز الانطباعات الشائعة؛ فالقول إن سلالة ما «ذكية» أو «عنيدة» لا يكفي علميًا. ينبغي تحديد السلوك المقصود، وقياسه، ومقارنة الحيوانات تحت ظروف مدروسة. فهل يتعلم الكلب أمرًا جديدًا بسرعة؟ وهل يتذكره؟ وهل يجد طريقًا إلى الطعام؟ وهل يواصل المحاولة حين تتغير المشكلة؟ هذه أسئلة مختلفة، وقد لا يقدم الحيوان نفسه أداءً متفوقًا في جميعها.

أين اختفى الكلب الخارق؟
وجد سكوت وفولر أن الوراثة تؤثر في كثير من الصفات التي اختبراها، وأن السلالات تختلف في خصائص انفعالية ودوافع سلوكية. لكن أيًا منها لم يظهر تفوقًا واضحًا شاملًا في حل المشكلات. كذلك تبين أن الانفعالات تؤثر بقوة في الأداء، وأن الطريق من فعل الجينات إلى السلوك النهائي شديد التعقيد. وهكذا لم تتحول التجربة إلى إعلان فوز سلالة واحدة، بل إلى تفكيك الفكرة التي افترضت إمكان جمع القدرات تحت عنوان بسيط هو «الأذكى».

وهنا يلزم التحفظ: عدم ظهور تفوق شامل في هذه التجربة لا يعني تساوي كل الكلاب في جميع القدرات، ولا ينفي إمكان الانتخاب لصفات محددة. فقد يناسب كلب مهمة أكثر من غيره، وقد توجد فروق متوسطة بين جماعات معينة. لكن التفوق في مهمة لا يمنح شهادة تفوق مطلق. فالكلب الملائم للرعي ليس بالضرورة الأفضل في تتبع الروائح، والنجاح في اختبار واحد لا يلخص شخصية الحيوان أو إمكاناته.

هل نقيس الذكاء أم الطاعة؟
من أخطاء التقييم الخلط بين سرعة تنفيذ الأوامر والذكاء بمعناه الواسع. فكلب يتوقف قبل التنفيذ قد يكون مشتتًا أو خائفًا أو ضعيف الدافعية، وقد تكون الإشارة غير واضحة له. وكلب يبحث مستقلًا عن حل قد يبدو أقل طاعة، بينما يظهر قدرة على الاستكشاف. لذلك ينبغي أن نسأل عما يقيسه الاختبار بالفعل، بدل أن نحمّل نتيجته معنى أكبر مما تحتمل.

ولتقريب الفكرة، تخيل كلبين أمام صندوق يحوي طعامًا. يندفع الأول إلى الصندوق ويحاول فتحه، بينما ينظر الثاني إلى الإنسان طلبًا للمساعدة. هل الأول أذكى لأنه بادر، أم الثاني لأنه استخدم علاقة اجتماعية؟ تتوقف الإجابة على السؤال البحثي. فقد نكون نقيس المثابرة أو الاستقلال أو طلب العون. وهذا المثال يوضح لماذا يصعب ضغط القدرات السلوكية المتنوعة في ترتيب واحد يبدأ بالأفضل وينتهي بالأضعف.

ما تقوله الجينومات الحديثة
بعد عقود، أتاحت تقنيات قراءة الحمض النووي اختبار أفكار السلالات على نطاق أوسع. ففي دراسة نُشرت بمجلة «ساينس» عام ٢٠٢٢، جمع الباحثون استبيانات عن ١٨٣٨٥ كلبًا، وحللوا بيانات جينية لـ٢١٥٥ منها. ووجدوا أن الانتماء إلى السلالة فسّر نحو ٩٪ من التباين السلوكي بين الأفراد في عينتهم. وهذه النسبة لا تعني أن الوراثة كلها لا تسهم إلا بهذا القدر؛ فهي تخص القدرة التفسيرية للسلالة، وليست تقديرًا شاملًا لجميع التأثيرات الجينية.

وأكدت الدراسة أن كثيرًا من السمات السلوكية قابل للتوريث، مع تأثيرات متعددة الجينات وتأثر بالبيئة. وقد يساعد الأصل السلالي في توقع بعض الميول، لكنه يظل محدودًا عند الحكم على كلب بعينه. ومن ثم، فإن معرفة السلالة تقدم معلومة احتمالية، ولا تمنح وصفًا نهائيًا للشخصية. فالصفات المنسوبة إلى سلالة قد توجد لدى أفراد من سلالات أخرى، كما تختلف الكلاب داخل السلالة الواحدة. PMC

الوراثة استعداد وليست حكمًا نهائيًا
الصفة المعقدة ليست عادة ثمرة جين واحد يعمل منفردًا. إنها حصيلة شبكة من التأثيرات، تتفاعل مع النمو والخبرة والظروف المحيطة. وحتى قابلية التوريث، وهي مفهوم إحصائي، تصف مقدارًا من الاختلاف بين أفراد جماعة تحت ظروف معينة؛ ولا تخبرنا بأن نسبة محددة من سلوك فرد واحد «صنعتها الجينات». كما أن وجود مكون وراثي للصفة لا يجعل تعديلها بالتعلم مستحيلًا.

لهذا تصبح التربية والتدريب جزءًا من تفسير السلوك. فالخبرة المبكرة، وطريقة تقديم المهام، ونوعية المكافأة، والحالة الصحية، كلها أمور ينبغي مراعاتها عند التقييم. وقد يكون ضعف الأداء إشارة إلى مشكلة في الظروف أو في تصميم الاختبار. والبحث الجيد يحاول فصل هذه العوامل قدر الإمكان، ثم يعترف بما يبقى من تعقيد، بدل أن يلجأ سريعًا إلى تفسير وراثي مريح.

حين يتحول العلم إلى ترتيب للكائنات
تستدعي قصة «الكلب الخارق» أيضًا الحذر من لغة تحسين النسل، حين يتحول الاهتمام بالوراثة إلى تصنيف الكائنات باعتبار بعضها أرقى بطبيعته. ولا يجوز نقل نتائج تجارب الكلاب مباشرة إلى البشر، لكن يمكن تعلم درس منهجي: لا تختزل الصفات المعقدة في الأصل، ولا تجعل متوسطات الجماعات أحكامًا على الأفراد. فالعلم يقيس ظواهر محددة، بينما تتجاوز الدعاية حدود القياس لتصنع أساطير عن النقاء والتفوق.

ربما كان أهم ما قدمه البحث أنه غيّر السؤال نفسه: بدلًا من «كيف ننتج كلبًا خارقًا؟» أصبح الأجدى أن نسأل كيف نفهم قدرات كل حيوان، ونختار المهمة المناسبة له، ونهيئ الظروف التي تساعده على التعلم. فالجينات تمنح استعدادات، والخبرة تشارك في تشكيل نتائجها. وبينهما تتكون شخصية لا يختصرها اسم السلالة. إنها رسالة وراثية وإنسانية معًا: فهم الاختلاف أكثر فائدة من مطاردة وهم الكمال.

(*) د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات.

المراجع العلمية:
1. Scott, J. P., & Fuller, J. L. (1965). Genetics and the social behavior of the dog. University of Chicago Press.
2. Morrill, K., et al. (2022). Ancestry-inclusive dog genomics challenges popular breed stereotypes. Science, 376(6592), Article eabk0639. https://doi.org/10.1126/science.abk0639

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

كم تحتمل الغابات من القطع قبل أن تفقد طيورها؟

حين تُحسب قيمة الأشجار بالأخشاب وحدها، تغيب عن الحساب كلفة فقدان الموائل والحياة التي تسكنها …

اترك تعليقاً