هام وعاجل

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 22 أغسطس 2026
استوقفتني في الآونة الأخيرة ملاحظة صغيرة تتكرر في البريد الإلكتروني لإحدى الجهات؛ إذ كانت معظم الرسائل تصل بعنوان يحمل الوصف نفسه: هام وعاجل. ومع تكرار المشهد، بدأ هذا الوصف يفقد شيئًا من أثره. فالعاجل بطبيعته استثناء، فإذا تحولت الاستثناءات إلى قاعدة، ضعفت قدرتنا على التمييز بين ما يحتاج إلى استجابة فورية وما يمكن التعامل معه ضمن مسار العمل المعتاد.

في الإدارة الحديثة، لا يُنظر إلى كثرة الملفات العاجلة بوصفها دليلًا على كثرة الأعمال أو حيوية المؤسسة، فقد تعكس في أحيان كثيرة حاجة أكبر إلى التخطيط الاستباقي وتنظيم الأولويات. والنجاح لا يُقاس بعدد الأزمات التي تُعالَج كل يوم، وإنما بقدرة المؤسسة على تقليل مساحة الطوارئ أصلًا.

ولعل الفكرة نفسها تظهر بوضوح في الشأن البيئي. فالنجاح في حماية البيئة لا يتمثل في كثرة حملات الإنقاذ بعد وقوع المشكلة، وإنما في بناء أنظمة تمنع التدهور قبل حدوثه. فالغابات لا تنتظر الحريق حتى تفكر في وسائل الوقاية، وإدارة المياه لا تنتظر الجفاف حتى تبدأ التخطيط لمصادرها، والوعي البيئي الحقيقي ينشغل ببناء التوازن قبل البحث عن وسائل الإنقاذ.

وأنا أتأمل ذلك، وجدت أن الشأن اللغوي يعيش وضعًا قريبًا من هذا المشهد. فكثير من قضايا اللغة العربية تظهر في وعينا العام بوصفها ملفات عاجلة؛ نتحدث عن ضعف القراءة حين تتراجع نتائج الاختبارات، ونلتفت إلى المهارات اللغوية حين تظهر فجوة في التعليم، ونناقش حضور العربية حين تتسع المسافة بينها وبين الأجيال الجديدة. تبدو المشكلات في لحظة ظهورها وكأنها طارئة، مع أنها في الغالب نتيجة مسار طويل من التأجيل والتراكم.

ولعل بعض ما نعدّه اليوم أزمة لغوية لم يكن حدثًا مفاجئًا، وإنما قضية ظلت تتشكل بصمت عبر سنوات طويلة. فاللغة، مثل البيئة، تتأثر بالتغيرات البطيئة أكثر مما تتأثر بالصدمات العابرة. وما يُهمل في البدايات يعود لاحقًا في صورة تحديات أكبر وأكثر تعقيدًا.

لهذا لا يبدو التخطيط اللغوي ترفًا فكريًا أو شأنًا أكاديميًا معزولًا عن الواقع، وإنما ضرورة لحماية البيئة اللغوية قبل أن تدخل منطقة الإنذار. فالمجتمعات التي تدير لغتها بوعي لا تنتظر ظهور المشكلة كي تبدأ التفكير فيها، وإنما تبني مسارات واضحة للتعليم، والقراءة، والمحتوى، والسياسات الثقافية.

وربما يصح أن نقول في نهاية الأمر إن نجاح التخطيط اللغوي لا يظهر حين نعلن الطوارئ لإنقاذ اللغة، وإنما حين تمضي حياتها بصورة طبيعية، فلا تضطر كل قضية لغوية إلى أن تحمل فوقها عبارة: هام وعاجل.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

في اليوم العالمي للبيئة: درسٌ من اللغة الأم

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً