من إتاحة المعلومة إلى صناعة الفهم
شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 16 أغسطس 2026
أصبحت الشفافية خلال العقود الأخيرة إحدى السمات الأساسية للقيادة الحديثة، فلم يعد القائد يُقيّم فقط بقدرته على اتخاذ القرار وتحقيق النتائج، بل أيضاً بمدى استعداده للإفصاح عن المعلومات، وشرح القرارات، وإتاحة البيانات، وتعزيز المساءلة، وبناء الثقة مع العاملين والمتعاملين وأصحاب العلاقة، وقد أسهمت مبادئ الحوكمة الحديثة في ترسيخ هذا الاتجاه، حتى أصبحت الشفافية إحدى الممارسات الدالة على نضج القيادة وجودة الحوكمة المؤسسية
وتنبع أهمية القيادة بالشفافية من قدرتها على تقليل احتكار المعلومات، وتعزيز الثقة في القرار، وتمكين العاملين من معرفة ما يجري داخل مؤسساتهم وما الذي تتجه إليه، فالقائد الذي يشارك المعلومات ذات الصلة، ويعلن القرارات في الوقت المناسب، ويوضح الحقائق، ولا يخفي المشكلات أو النتائج غير المرغوبة، يبني علاقة أكثر صدقاً مع العاملين، ويخلق بيئة تكون فيها المساءلة جزءاً من الممارسة الإدارية لا مجرد مبدأ مكتوب.
وتقدم تجربة Johnson & Johnson خلال أزمة Tylenol عام 1982 نموذجاً واضحاً لقوة القيادة بالشفافية عندما تتعرض المؤسسة لاختبار حقيقي، فقد توفي عدد من الأشخاص في الولايات المتحدة بعد تناول كبسولات Tylenol تعرضت للعبث وإضافة السيانيد إليها بعد خروجها من عملية التصنيع، لتجد الشركة نفسها أمام أزمة لم تهدد منتجاً رئيساً فحسب، وإنما هددت ثقة المجتمع بها.
وكان بإمكان القيادة أن تنتظر اكتمال التحقيقات، خصوصاً أن مسؤولية الشركة عن التلاعب لم تكن قد ثبتت، إلا أنها اختارت مساراً مختلفاً، فقد تعاملت بصورة مفتوحة مع الجهات الصحية ووسائل الإعلام والجمهور، واتخذت إجراءات واسعة لسحب المنتج من الأسواق وحماية المستهلكين، وتحملت تكلفة مالية كبيرة في سبيل المحافظة على الثقة، ولهذا أصبحت التجربة لاحقاً من النماذج المعروفة في أدبيات إدارة الأزمات والاتصال المسؤول، لأنها أثبتت أن القيادة بالشفافية لا تظهر عندما تكون المعلومات مريحة للمؤسسة، بل عندما يصبح الإفصاح عنها مكلفاً أيضاً.
لكن هذه التجربة نفسها تفتح باباً لسؤال أكثر عمقاً: هل كان مجرد إعلان المعلومات كافياً لإدارة الأزمة؟
لم يكن المستهلك بحاجة إلى معرفة أن هناك مشكلة فقط، وإنما كان بحاجة إلى أن يفهم ما الذي حدث، وما المنتجات المعنية، وماذا ينبغي أن يفعل، وما الإجراءات التي اتخذتها الشركة، وكيف ستمنع تكرار المشكلة، ولذلك لم تتوقف الاستجابة عند الإفصاح عن المشكلة، بل امتدت إلى توضيح ما ينبغي للمستهلك فعله، واتخاذ إجراءات لحماية المستهلكين، ثم تطوير عبوات أكثر مقاومة للعبث. وهكذا تحولت المعلومة من مجرد حقيقة معلنة إلى معنى وإجراء يستطيع المستهلك فهمهما والتصرف على أساسهما.
وهنا تظهر حدود الشفافية القيادية، فهي تستطيع أن تجعل الحقيقة معروفة، لكنها لا تضمن وحدها أن يكون معناها مفهوماً بالطريقة نفسها لدى جميع من يتلقونها.
وتظهر هذه المشكلة بصورة أكثر وضوحاً داخل المؤسسات، فقد يصدر القائد قراراً، ويشرح خلفيته، ويرسله إلى جميع الإدارات في الوقت نفسه، ويتيح الوثائق المرتبطة به، ويكون بذلك قد مارس قدراً مرتفعاً من الشفافية، ثم يكتشف بعد فترة أن كل إدارة فهمت القرار بطريقة مختلفة، وقد ترى إحدى الوحدات أن التنفيذ يبدأ فوراً، بينما تربطه وحدة أخرى بشروط معينة، أو يفهم بعض المديرين أن القرار يمنحهم صلاحية محددة، في حين يراه آخرون مقيداً بإجراءات إضافية، في هذه الحالة لا تكون المشكلة في غياب المعلومة، ولا في حجب القيادة لها، وإنما في المسافة بين ما قالته القيادة وما فهمه العاملون.
وتكشف هذه الفجوة أيضاً عن قصور في الطريقة التي نقيس بها القيادة بالشفافية؛ إذ كثيراً ما تركز مؤشرات الشفافية على عملية الاتصال نفسها: هل أُعلنت المعلومات؟ هل شُرح القرار؟ هل أتيحت البيانات؟ هل أُجيب عن الأسئلة؟ غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، تقيس ما فعلته القيادة، ولا تقيس بالضرورة ما حدث لدى المتلقي بعد ذلك.
فالمعلومة لا تنتقل من القيادة إلى العاملين حاملةً بالضرورة المعنى نفسه الذي قصدته عند صياغتها، بل يستقبلها كل فرد من خلال خبراته السابقة، وموقعه التنظيمي، وخلفيته المهنية، واللغة المستخدمة، والثقافة السائدة، والسياق الذي وردت فيه. ولذلك يستطيع عشرات الأشخاص قراءة القرار نفسه والوصول إلى تفسيرات مختلفة لما يعنيه وكيف ينبغي تطبيقه.
وهنا يصبح السؤال القيادي مختلفاً. فبدلاً من أن يسأل القائد: هل أوصلت المعلومة؟ يصبح عليه أن يسأل: ماذا فَهِم العاملون من المعلومة التي أوصلتها؟
هذه النقلة البسيطة في صياغة السؤال تنقل القيادة من إدارة الإفصاح إلى إدارة الفهم.
وعند مراجعة الأدبيات الإدارية، نجد أن قضية الفهم والوضوح لم تكن غائبة، وإن لم تُجمع غالباً تحت مفهوم مؤسسي واحد. فقد تناولت الدراسات وضوح الأهداف، ووضوح الأدوار، ووضوح الاتصال، ووضوح التوجه الاستراتيجي، وكل منها عالج جانباً من المشكلة نفسها فوضوح الهدف يحدد ما الذي تريد المؤسسة تحقيقه، ووضوح الدور يحدد من المسؤول عن ماذا، ووضوح الاتصال يقلل احتمالات اختلاف تفسير الرسائل، بينما يساعد الوضوح الاستراتيجي العاملين على فهم العلاقة بين أعمالهم اليومية والاتجاه الذي تتحرك نحوه المؤسسة.
وعند جمع هذه الأبعاد يظهر أن القاسم المشترك بينها ليس كمية المعلومات، وإنما جودة الفهم الذي يتكون حولها. فالمؤسسة قد تمتلك استراتيجية منشورة، وهيكلاً معتمداً، وسياسات متاحة، وأهدافاً معلنة، وقنوات اتصال فعالة، لكنها تظل تعاني ضعف الاتساق إذا كانت هذه العناصر تحمل معاني مختلفة لدى العاملين.
ومن هنا يمكن تعريف الوضوح المؤسسي بأنه قدرة المؤسسة على بناء فهم مشترك ومتقارب لأهدافها وقراراتها وسياساتها وأدوار العاملين فيها، بما يقلل تباين التفسير، ويحقق اتساق القرارات والسلوك، ويرفع جودة التنفيذ
ولا يعني الوضوح المؤسسي أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها، أو أن تلغي المؤسسة الاجتهاد والمرونة. بل يعني أن تتفق المعاني في المسائل التي يجب أن يكون اتجاهها مشتركاً، وأن يبقى الاختلاف متاحاً في المسائل التي تسمح بطبيعتها بالاجتهاد. فالإبداع يحتاج إلى مساحة للحركة، لكن الهدف الذي يتحرك نحوه هذا الإبداع يجب أن يكون واضحاً.
وهنا يتضح الفرق بين القيادة بالشفافية والقيادة التي تصنع الوضوح، فالأولى تسعى إلى ألا تكون المعلومات الضرورية محجوبة، أما الثانية فتضيف مسؤولية التأكد من أن المعلومات المتاحة أنتجت فهماً يساعد العاملين على التحرك في الاتجاه المقصود.
ولا يجعل ذلك الوضوح بديلاً عن الشفافية، بل قدرة مؤسسية مكملة لها، فالشفافية تجيب عن سؤال: ماذا ينبغي أن يعرف العاملون؟ أما الوضوح فيسأل: ماذا فهموا مما عرفوه؟
وتقدم التجربة السويدية مثالاً عملياً على هذا التمييز. فقد رسخت السويد تاريخياً مبدأ إتاحة الوثائق الرسمية (Principle of Public Access)، الذي يمنح الجمهور حق الوصول إلى الوثائق الحكومية وفق الضوابط القانونية. غير أن الوصول إلى المعلومة لا يعني بالضرورة القدرة على فهمها واستخدامها، وهو ما يفسر الاهتمام باللغة الواضحة وتبسيط التواصل العام، وقد عزز قانون اللغة السويدي هذا الاتجاه بنصه على أن تكون لغة القطاع العام بسيطة ومفهومة، بما يربط عملياً بين إتاحة المعلومات وقدرة الأفراد على استيعابها واستخدامها.
وتقدم هذه التجربة شاهداً عملياً على أن إتاحة المعلومات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق الغاية منها؛ فالمعلومة لا تحقق أثرها بمجرد الوصول إليها، وإنما عندما تكون مفهومة وقابلة للاستخدام. وهنا يظهر الفرق بين الشفافية التي تتيح المعلومة، والوضوح الذي يساعد على فهمها والتصرف على أساسها.
فالقيادة بالشفافية ضرورية لبناء الثقة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء الاتساق المؤسسي. فبين المعلومة المتاحة والأداء المتسق توجد حلقة أخرى هي الفهم المشترك، والقيادة هي الطرف الأكثر تأثيراً في بناء هذه الحلقة، من خلال تحويل المعلومات والقرارات والتوجهات إلى معانٍ مشتركة تستطيع المؤسسة العمل على أساسها.
وهذا ما تفسره بصورة مباشرة نظرية بناء المعنى Sensemaking Theory التي طورها كارل ويك، إذ ترى أن الأفراد داخل المنظمات لا يستقبلون الأحداث والقرارات بوصفها معاني ثابتة، وإنما يبنون لها معنى في ضوء خبراتهم والسياق التنظيمي والتفاعلات والإشارات المحيطة بهم. ولذلك يمكن للمعلومات نفسها أن تنتج معاني مختلفة، ثم تنتج عنها سلوكيات مختلفة، ومن منظور القيادة، تحمل هذه النظرية دلالة بالغة الأهمية: إصدار القرار ليس نهاية العمل القيادي، بل بداية عملية بناء معناه داخل المؤسسة.
فالقائد الذي يريد صناعة الوضوح لا يكتفي بالإعلان عما قرره، وإنما يوضح لماذا اتخذ القرار، وما المشكلة التي يعالجها، وما النتيجة التي يستهدفها، وما الذي سيتغير بسببه، وما الذي سيبقى ثابتاً، وما حدود مسؤولية كل طرف في تنفيذه. وبذلك لا تنحصر وظيفته في نقل القرار، بل تمتد إلى تقليل المساحة التي يتركها الغموض للتفسيرات المتعارضة.
وتدعم نظرية تحديد الأهداف هذا المنطق من زاوية أخرى، إذ بينت أعمال لوك ولاثام أن الأهداف الواضحة والمحددة أكثر قدرة على توجيه الجهد وتحسين الأداء من الأهداف العامة أو الغامضة. ولا يرجع ذلك إلى أن العاملين حصلوا على معلومات أكثر، بل إلى أنهم أصبحوا أكثر قدرة على تحديد ما المطلوب منهم وما الذي يمثل نجاحاً في أدائهم.
كما تكشف أدبيات نظرية الدور أن وضوح الهدف لا يكفي إذا لم يعرف العاملون حدود مسؤولياتهم وصلاحياتهم والتوقعات المرتبطة بأدوارهم. فقد يعرف الجميع أين تريد المؤسسة الوصول، لكن غموض السؤال “من يفعل ماذا؟” يعيد إنتاج التداخل وتضارب القرارات وإلقاء المسؤولية بين الوحدات التنظيمية.
ومن هنا لا تصبح مهمة القيادة زيادة حجم الاتصال، وإنما زيادة جودة المعنى الذي ينتجه الاتصال. فقد يعقد القائد عشرات الاجتماعات ويرسل مئات الرسائل، ويبقى الغموض قائماً، بينما قد تحقق رسالة واحدة مصاغة بصورة واضحة، ومدعومة بالسياق والمسؤوليات والأمثلة التطبيقية، مستوى أعلى من الاتساق.
وهنا يتبين أن التحدي الحقيقي للقيادة لم يعد مقتصراً على كسر احتكار المعلومات أو توسيع نطاق الإفصاح عنها، بل أصبح مرتبطاً بما يحدث للمعلومة بعد وصولها. فالشفافية تستطيع أن تجعل القرار معروفاً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن أن معناه أصبح مشتركاً، وأن العاملين سيترجمونه إلى قرارات وممارسات متقاربة. وبين ما تقوله القيادة وما يفعله العاملون توجد مساحة حاسمة يصنعها الفهم، وكلما اتسعت هذه المساحة أمام التفسيرات المختلفة، تراجع الاتساق مهما ارتفع مستوى الشفافية.
ولهذا لا تمثل الدعوة إلى الوضوح المؤسسي تراجعاً عن قيمة الشفافية، بل انتقالاً بها إلى مستوى أكثر نضجاً؛ فالمؤسسة تحتاج إلى أن يعرف العاملون، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى أن يتقارب ما يفهمونه مما عرفوه. وعند هذه النقطة يتغير السؤال من: كم أفصحت القيادة؟ إلى: ما المعنى الذي صنعه هذا الإفصاح داخل المؤسسة؟
غير أن الوصول إلى هذه النتيجة يفتح سؤالاً قيادياً أكثر أهمية: إذا كان نشر المعلومات لا يضمن وحده بناء الفهم المشترك، فكيف تستطيع القيادة أن تصنع هذا الفهم؟ وكيف تنتقل من قيادة تُحسن الإفصاح إلى قيادة تقلل الغموض، وتوحد المقصد، وتبني معنى يستطيع العاملون أن يتحركوا على أساسه؟ هنا تبدأ المسافة الفاصلة بين نقل المعلومات وصناعة المعنى، وهي المسافة التي تكشف جوهر قيادة الوضوح.
الكلمات المفتاحية:
القيادة بالشفافية، الشفافية المؤسسية، الوضوح المؤسسي، الفهم المشترك، بناء المعنى، وضوح الأهداف، وضوح الأدوار، الاتصال المؤسسي، الاتساق المؤسسي.
(*) د. أنيس رزوق:
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي واستشراف المستقبل.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.
المراجع
1. Weick, K. E. (1995). Sensemaking in organizations. SAGE Publications.
2. Locke, E. A., & Latham, G. P. (2002). Building a practically useful theory of goal setting and task motivation: A 35-year odyssey. American Psychologist, 57(9), 705–717.
3. Kahn, R. L., Wolfe, D. M., Quinn, R. P., Snoek, J. D., & Rosenthal, R. A. (1964). Organizational stress: Studies in role conflict and ambiguity. John Wiley & Sons.
4. U.S. Food and Drug Administration. (2018). History of FDA’s role in preventing the contamination of food and drugs.
5. Government Offices of Sweden. (n.d.). The principle of public access to official documents.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز