التُّراث الإماراتي ودوره في الوطنيّة والمُواطَنة
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 16 أغسطس 2026
إتّفقت التفسيرات لكلمة “تُراث” على أنّها “كلّ ما ينتقل من عادات وتقاليد وعلوم وآداب وفنون من جيل إلى جيل”، أي “ما يتوارثه الإنسان ويحافظ عليه وينقله لمن بعده”، وبذلك، فإنّ التُّراث يعكس أهميّة الأشياء التي تذكّرنا بالآباء والأجداد، وتربطنا بهم وبالتاريخ.
الثُّراث إذًا، هو خلاصة ما خلّفته الأجيال السالفة للأجيال الحاليّة التي بدورها ستخلّفها لأجيال المستقبل، فيشكّل بذلك محور بقاء واستمراريّة أيّ شعب وعنوان حضارته، والصورة الحقيقيّة التي تُبرز هويّته الوطنيّة والقوميّة وتكشف ملامحها.
يُشبَّه التُّراث بالجذور في الشجرة التي كلّما غاصت وتفرّعت في التُّراب، وكلّما حافظت على الأملاح المعدنيّة والماء فيها، التي هي مصدر غذائها الأساسي، كانت الشجرة أقوى وأصلب، فلا تذبل ولا تقتلعها رياح ولا تهزّها عواصف، فتبقى ثابتة ومتجذّرة عبر السنوات، وقادرة على العيش ومواجهة تقلّبات الزمن. وما تلك الأملاح المعدنية والماء التي تتناقلها مكوّنات الشجرة، والهواء الذي تحتاجه، سوى ذلك الغذاء لكلّ سلف الذي بدوره يسلّمه إلى الخلَف، فمن ينقطع من هذه المكوّنات عن ذلك الغذاء سيجفّ ويذبل، ويسقط عن الشجرة إلى سطح الأرض حيث نقطة الصّفر. من هنا يتنوّع التُّراث ويختلف من شعب إلى آخر، باختلاف ما تحمله الجذور؛ فلا حضارة بدون تراث، لأنّها تكون حينها حضارة طفيليّة تتغذّى ممّا تنتجه الأشجار الأخرى، وتندثر عندما يُحبس عنها هذا الإنتاج(1).
إنّ أهميّة التُّراث تتجلّى في كونه مرآة تاريخ وحضارات الأمم، والعلامة الفارقة في تمييز خصوصيّاتها وإبراز هويّاتها الوطنيّة، وهو يمدّ المجتمعات بالقِيم، ويساهم في تشكيل وعيه العام. والتُّراث والمأثورات التُّراثية بشكلها ومضمونها تبقى أصيلة ومتجذّرة ومؤثّرة في سلوكيّات الأفراد والمجتمعات، على الرّغم من توسّع فروعها وتطوّرها مع مرور الزمن بفعل التأثّر والتأثير للثقافات والحضارات الأخرى(2)، وأكبر مثال على ذلك دولة الإمارات العربية المتّحدة التي تتفاعل مع ثقافات العالم كلّه تأثّرًا وتأثيرًا، وفي الوقت ذاته تتميّز عنه بمقوّمات الأصالة في تُراثها.
قيمة المأثورات التُّراثيّة في دولة الإمارات
تعدّدت مأثوراتنا التُّراثية وتنوّعت، ومثّلت المرآة الحقيقيّة لطبيعة مجتمعنا العربي الإسلامي وقِيمه، والصورة الواضحة لمكان نشوئه وترعرعه، حيث اكتسب من الصحراء وقساوتها تقاليد القبيلة ونُظمها، ومن البحر وتحدّياته عادات ووسائل الاستمرار وسُبل العيش، فعكس هذا التنوّع القيمة التاريخيّة لتُراثنا وما يُمثّله من نقطة تقاطع للحضارات الإنسانيّة عبر العصور.
لقد بيّنا أهميّة الموقع الجغرافي لدولة الإمارات العربية المتّحدة وتأثيره على المجتمع الإماراتي، لكنّ ميزة هذا التأثير أنّه ترك بصمات واضحة على النمو الحضاري ونشوء المستوطنات البشريّة في هذه المنطقة من العالم، من خلال تعاقب حضارات متعدّدة عليها على مرّ آلاف السنين، الأمر الذي منحها مكانة حضاريّة استثنائيّة وسط العالم القديم، ونتجت عن هذه الاستثنائيّة نشوء شخصيّة مستقلّة للمجتمع الإماراتي؛ فالبيئة البحريّة وكثرة الخلجان الطويلة والعميقة في البلاد، جعلت قسمًا من أبناء المجتمع يتّجه نحو الخارج، ويحترف مهنة الصيد والعديد من الحِرف المكمّلة لها، وفي الداخل، كان قسمًا آخر يستوطن سفوح الجبال ويزرعها، أو يُقيم في واحات الصحاري، ويحترف أساليب البقاء وتحدّي قساوة الطبيعة، ويرسّخ عادات لا تُمحى، وقد شكّل هذا التوازن بين البحر والبرّ حلقة من حلقات التفاعل المتواصل بين الداخل والداخل من جهة، وبين الداخل والخارج من جهة أخرى، فنتج عن هذا الارتباط بين المياه واليابسة منظومة متناغمة شكّلت هذا التُّراث التاريخي المميّز(3).
إنّ طبيعة عيش الأجداد والظروف المتعدّدة التي أحاطت بهم، تركت مأثورات لا تزال ترافق المجتمع الإماراتي حتى اليوم، ممّا أضفى عليها قيمة وطنيّة واجتماعيّة وإنسانيّة ثمينة، ومن هذه المأثورات:
القلاع والحصون والأبراج والأسوار والمقابر والمساجد الأثريّة الموجودة على امتداد مساحة الوطن، وهي من أبرز شواهد تاريخ الإمارات، وتجسّد جانبًا من عظمة شعبها وإسهاماته في الحضارة الإنسانيّة، لما تشكّله من أهميّة تاريخيّة وثقافيّة من خلال تجسيدها البراعة في فن الهندسة المعماريّة التي تفاعلت بشكل تامّ مع احتياجات أسلافنا الاجتماعيّة والدفاعيّة والحياتيّة منذ مراحل التاريخ المبكرة. ولم تقتصر البراعة في الأعمال الهندسيّة على البناء فقط؛ بل شملت أيضًا آثار القنوات المائيّة الطويلة الممتدّة من فجوة في مكان مرتفع في طبقة صخريّة إلى أرض قابلة للزراعة، فكانت وسيلة أتاحت تطوّر المناطق الحضريّة والقرى المأهولة، وعُرف هذا النظام بـ “الفلج”، وأُدرج على قائمة التُّراث الإنساني العالمي(4).
المجلس، وهو أحد التقاليد الشعبيّة التُّراثية المهمّة في المجتمع الإماراتي، ويعكس طيبة أبنائه وكرمهم وحسن أخلاقهم التي تظهر من خلال طريقة استقبالهم للضيوف في المجلس وأسلوب تجهيز وتقديم القهوة العربيّة لهم وآدابها. وهذا التُّراث يوفّر مساحة مفتوحة للاجتماع وتبادل الآراء والخبرات واللقاءات في المناسبات، ويُعتبر نموذجًا للحوار الثقافي والتواصل والروابط الاجتماعيّة القويّة، ومساهمًا أساسيًّا في نقل التُّراث الشفوي(5).
الفنون الشعبيّة التي تُعبّر عن خصوصيّة المجتمع الإماراتي من خلال هذا النمط من حياة الآباء والأجداد، كما أنّها تُراث يقوّي روح الجماعة والتماسك الوجداني للمجتمع، ليساهم في تعميق مفهوم المُواطَنة لدى أبنائه. والإماراتيّون متمسّكون بممارسة هذه الفنون في المناسبات، ومنها على سبيل المثال، فنّ “الرزفة” الذي يجمع بين الموسيقى والشعر والحركات الجماعيّة الإيقاعيّة، والذي يُقدَّم في الأعياد والاحتفالات، وهو فنّ وُجد في الأصل ليُبرز شهامة وشجاعة أبناء المجتمع. ومنها أيضًا فنّ “العيالة” الذي يؤدّيه صفّان متقابلان من الرجال يحملون العصي وينشدون الشعر مع حركات إيقاعيّة مشتركة على وقع الطبول، وقد وُجد هذا الفن لإبراز الفروسيّة والقوّة والولاء للوطن والمجتمع، ويتمّ تقديمه في مختلف الاحتفالات الوطنيّة وفي مناسبات الزواج. يضاف إلى ذلك “التغرودة”، وهي شعر غنائي شعبي اعتاد الشعراء وعامّة الناس قديمًا على إنشاده خلال أسفارهم الطويلة في الصحراء على ظهور الإبل، أو لتعزيز العلاقات الاجتماعيّة في الاحتفالات القبليّة والأعراس، ويُبرز هذا المأثور قِيم الفخر والحكمة(6).
المراجع:
(1): تعزيز الحريّات الأساسية للأفراد وحقوقهم القانونية: الإمارات سجل حافل في حماية حقوق الإنسان، جريدة البيان الإماراتية، 21/11/2014.
(2): المرجع السابق.
(3): المرجع السابق.
(4): جمال الدويري، إنجازات الإمارات في أرقام”.. محطات نجاح حكومة محمد بن راشد، جريدة الخليج الإماراتية، 17/12/2013.
(5): سمات الحكم والقيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة، مجلة مع الوطن، 1/12/2012.
(6): المرجع السابق.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز