الغسيل الأخضر كأداة لغسيل الوعي (02 – 04)

دراسة تحليلية نقدية مقارنة (عالمياً، عربياً، ومغربياً)

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم مصطفى بنرامل، الخبير البيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 09 يوليو 2026

الملخص:
يشهد العالم اليوم تصاعداً غير مسبوق في استخدام الخطاب البيئي كأداة تسويقية، بالتوازي مع تنامي وعي المستهلكين بقضايا الاستدامة والتغير المناخي. إلا أن هذا التحول الإيجابي فتح المجال أيضاً أمام ممارسات مضللة تُعرف بـ”الغسيل الأخضر”، حيث تُقدَّم منتجات وخدمات ومؤسسات على أنها صديقة للبيئة دون أن تستند إلى أداء بيئي حقيقي أو أدلة علمية موثوقة. ولا يقتصر أثر هذه الممارسات على تضليل المستهلك، بل يمتد إلى تشكيل وعيه وتوجيه قراراته الاستهلاكية، بما يهدد مصداقية جهود التنمية المستدامة ويقوض الثقة في الاقتصاد الأخضر. وتتناول هذه الدراسة تحليلاً نقدياً مقارناً لظاهرة الغسيل الأخضر، من خلال استعراض أساليبها وآلياتها النفسية والتسويقية، وتحليل أبرز المؤشرات والتجارب العالمية والعربية والمغربية، مع تسليط الضوء على الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة لمواجهتها وتعزيز نزاهة الادعاءات البيئية.

1- أنواع وأساليب الغسيل الأخضر
حددت مؤسسة TerraChoice) hلمملوكة لشركة UL(في دراساتها الشهيرة (2007; 2010) ما يُعرف بـ “الخطايا السبع للغسيل الأخضر”، والتي تم تحديثها وتوسيعها أكاديمياً لتشمل الأساليب التالية:
1- خطيئة المقايضة المستترة (Hidden Trade-off): الإيحاء بأن المنتج أخضر بناءً على خاصية واحدة ضيقة (مثل استخدام ورق معاد تدويره) مع تجاهل الأثر البيئي التدميري الكلي (مثل عمليات التصنيع والانبعاثات الكيميائية للورق نفسه).
2- خطيئة عدم وجود إثبات (No Proof): إطلاق ادعاءات بيئية لا يمكن التحقق منها عبر معلومات يسهل الوصول إليها أو عبر شهادات جهات خارجية مستقلة وموثوقة.
3- خطيئة الغموض والعمومية (Vagueness): استخدام مصطلحات فضفاضة وسيئة التحديد مثل “طبيعي بالكامل” أو “صديق للبيئة”؛ فالفوسفور والزرنيخ والمواد السامة هي مواد “طبيعية” في الأصل لكنها قاتلة.
4- خطيئة العبثية وعدم Relevance (Irrelevance): تقديم ادعاء بيئي قد يكون صادقاً ولكنه غير مهم أو تافه (مثل الكتابة على المنتج “خالٍ من مركبات CFC” علماً أن هذه المركبات محظورة قانوناً منذ عقود).
5- خطيئة الكذب الصريح (Fibbing): تقديم ادعاءات كاذبة تماماً، كوضع شعارات شهادات بيئية وهمية أو تزوير نسب تقليل الانبعاثات.
6- خطيئة أهون الشرين (Lesser of Two Evils): إطلاق ادعاء بيئي صحيح لمنتج يفتقر أصلاً للمشروعية البيئية (مثل الترويج لـ “سجائر عضوية” أو “مبيدات حشرية صديقة للبيئة”).
7- خطيئة التسميات الزائفة والشعارات الوهمية (Worshipping False Labels): ابتكار شهادات جوائز وأختام من صنع الشركة نفسها تبدو للمستهلك العادي وكأنها صادرة عن هيئة دولية مستقلة تمنح الموثوقية البيئية.

2- الغسيل الأخضر كأداة لغسيل الوعي (Green Brainwashing)
يمثل هذا الفصل النواة الصلبة للدراسة، حيث يتجاوز التحليل التجاري السطحي لينفذ إلى الآليات المعرفية والسيكولوجية التي تتبعها الشركات للتحكم في وعي المستهلك وإلغاء فاعليته النقدية.

10-1 التسويق العصبي (Neuromarketing) والمنظومة الإدراكية
يستخدم التسويق العصبي (Neuromarketing) على تقنيات متقدمة، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، وتخطيط كهربائية الدماغ (EEG)، وتتبع حركة العين (Eye Tracking)، لقياس الاستجابات العصبية والانتباه البصري والانفعالات التي تثيرها الرسائل التسويقية. وتشير الدراسات إلى أن التعرض للمشاهد الطبيعية والألوان المرتبطة بالبيئة، كالأخضر والبني، ينشط مناطق دماغية مرتبطة بالمكافأة والمعالجة الوجدانية، ويعزز الشعور بالراحة والثقة والارتباط بالطبيعة، مما يزيد من قابلية تقبل الرسائل البيئية. وتستفيد بعض الشركات من هذه المعطيات في تصميم العبوات والإعلانات التي تزخر بالرموز الطبيعية والادعاءات البيئية، بهدف تعزيز الانطباع الإيجابي عن المنتج والتأثير في القرار الشرائي، وهو ما يمثل أحد الأبعاد النفسية والعصبية لظاهرة الغسيل الأخضر.

10-2 سيكولوجية المستهلك والالتزام الأخلاقي الزائف
يشهد المستهلك المعاصر تصاعداً في مستويات القلق المناخي (Eco-Anxiety)، وهو شعور نفسي ناتج عن تزايد الوعي بتداعيات التغير المناخي والتدهور البيئي. وتستغل الشركات التي تمارس الغسيل الأخضر هذا القلق من خلال تسويق منتجاتها بوصفها حلولاً بيئية بسيطة تمنح المستهلك إحساساً فورياً بالمساهمة في حماية البيئة. ونتيجة لذلك، ينتقل قرار الشراء من الاعتماد على الأدلة العلمية والتحقق الموضوعي من الادعاءات البيئية إلى الاستجابة لمشاعر أخلاقية آنية، حيث يصبح اقتناء المنتج وسيلة لتخفيف الشعور بالذنب البيئي وتعزيز الصورة الذاتية للفرد بوصفه مستهلكاً مسؤولاً. ويصف علماء النفس هذه الآلية بمفهوم التعزيز الأخلاقي للذات (Moral Self-Enhancement) أو الإشباع الأخلاقي (Moral Satisfaction)، إذ يمنح السلوك الاستهلاكي صاحبه شعوراً بالرضا الأخلاقي حتى وإن لم يكن للمنتج أثر بيئي حقيقي، وهو ما يجعل التأثير النفسي للغسيل الأخضر أحياناً أقوى من تأثير الحقائق العلمية نفسها.

10-3 هندسة التلبيس الرمزي واللغوي
تعتمد الشركات على ترسانة سيميائية محددة بدقة لتوجيه الوعي تلقائياً:
1. تأثير اللون الأخضر والترابي: يربط العقل البشري تلقائياً وبشكل لا واعي بين اللون الأخضر، البني، والرمادي الدافئ وبين الغابة والأرض والنقاء. إن مجرد تغيير لون علبة بلاستيكية لمنتج كيميائي من الأزرق إلى الأخضر الفاتح يرفع من تقييم المستهلك لدرجة سلامة المنتج بيئياً بنسب تتجاوز 60% دون قراءة المكونات.

2. سحر كلمة “Natural” (طبيعي): كلمة سيكولوجية بامتياز توحي بالسلامة والأمان والخلو من الصناعة، رغم أن القانون لا يمنع كتابتها على منتجات تحتوي على مركبات كيميائية معقدة ومعدلة، طالما أن جزءاً صغيراً من مصدرها نباتي.

3. تأثير سابقتي “Eco” و”Bio”: كلمات تحولت إلى علامات تجارية بحد ذاتها (براندينغ) تُكسب المنتج هالة من العصرنة والمسؤولية الاجتماعية، وتعمل كاختصارات ذهنية (Heuristics) تجعل العقل يتخذ قرار الشراء السريع لتوفير الجهد التحليلي.

4. الصور البصرية والنباتية المضللة: وضع صور قطرات الندى، أوراق الشجر الخضراء، الضفادع، أو كوكب الأرض على عبوات بلاستيكية غير قابلة للتدوير. هذه الصور تعمل كمشتتات بصرية (Visual Distractors) تحجب انتباه المستهلك عن قراءة جدول المكونات السامة في الخلف.
ومنه، تعتمد ممارسات الغسيل الأخضر على مؤثرات نفسية وبصرية، مثل الألوان الطبيعية والكلمات الإيحائية، والصور البيئية، لخلق انطباع زائف بأن المنتج صديق للبيئة. وتعمل هذه العناصر كاختصارات ذهنية تقلل من التدقيق في المعلومات الحقيقية، مما يدفع المستهلك إلى اتخاذ قرار الشراء بناءً على الانطباع لا على الحقائق. وبذلك تصبح الهوية البصرية والتسويقية أداة فعالة لإخفاء الأثر البيئي الحقيقي للمنتج والتأثير في سلوك المستهلك.

10-4 شهادات الجودة الوهمية
ابتكار مسميات وأختام تشبه الأختام الرسمية، مثل رسم دائرة بداخلها شجرة وكتابة “Certified Green Option” أو “مضمون بيئياً” من قِبل لجان داخلية تابعة للشركة نفسها، مما يوهم المستهلك بوجود رقابة صارمة وهيئات مستقلة صدقت على المنتج.

3- الدراسة العالمية: إحصائيات، مؤشرات، وعقوبات
11-1 إحصائيات ومؤشرات دولية حديثة (حتى 2026)
كشفت المسوح والتقارير الصادرة عن الهيئات الرقابية الدولية عن أرقام صادمة توضح استفحال الظاهرة:
• كشفت المفوضية الأوروبية (European Commission, 2021) في إطار عملية فحص واسعة النطاق للمواقع الإلكترونية التجارية (Sweep Screening) سنة 2021 عن الانتشار المقلق لظاهرة الغسيل الأخضر داخل السوق الأوروبية. وشمل التحقيق 344 ادعاءً بيئياً منشوراً على مواقع إلكترونية في مختلف القطاعات، حيث تبين أن 42% من هذه الادعاءات كانت مبالغاً فيها أو مضللة أو كاذبة، بما يجعلها قابلة للتصنيف قانونياً ضمن ممارسات الإشهار التدليسي وفق التشريعات الأوروبية.

كما أظهرت النتائج أن 37% من الادعاءات استخدمت عبارات عامة وغامضة مثل “صديق للبيئة” أو “أخضر” أو “مستدام” دون تقديم أي دليل علمي أو توثيق يمكن التحقق منه، بينما تبيّن أن 59% من الادعاءات لم توفر أدلة أو معلومات كافية تسمح للمستهلك بالتحقق من صحتها بسهولة. وتعكس هذه المؤشرات الحجم الحقيقي للممارسات التضليلية التي تؤثر في قرارات المستهلكين وتعرقل التحول نحو الاستهلاك المسؤول، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى اقتراح تشريعات أكثر صرامة، من بينها توجيه الادعاءات البيئية (Green Claims Directive)، بهدف إلزام الشركات بإثبات صحة ادعاءاتها البيئية بأدلة علمية مستقلة وقابلة للتحقق.

• أكدت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (Competition and Markets Authority – CMA)، من خلال تحقيقاتها المتعلقة بممارسات التسويق البيئي في قطاع الأزياء، أن ما يقارب 40% من الادعاءات البيئية التي تستخدمها شركات الموضة بشأن منتجاتها “المستدامة” أو “الصديقة للبيئة” أو “المصنوعة من مواد معاد تدويرها” قد تكون مضللة أو غير مدعومة بأدلة كافية. وأوضحت الهيئة أن العديد من العلامات التجارية تعتمد عبارات عامة وفضفاضة مثل “Conscious” و”Eco” و”Green” دون تحديد النسبة الفعلية للمواد المستدامة أو تقديم معلومات قابلة للتحقق حول دورة حياة المنتج أو أثره البيئي. كما رصدت الهيئة ممارسات مثل إخفاء المعلومات الجوهرية، والمبالغة في إبراز الخصائص البيئية الإيجابية، وإغفال الآثار السلبية للمنتج، وهو ما قد يؤثر في قرارات المستهلكين ويشكل مخالفة لقوانين حماية المستهلك والإعلانات التجارية في المملكة المتحدة.

وقد دفعت هذه النتائج الهيئة إلى إصدار مدونة الادعاءات البيئية (Green Claims Code)، التي تلزم الشركات بأن تكون جميع الادعاءات البيئية صحيحة، واضحة، دقيقة، وقابلة للإثبات. (ملاحظة علمية: نسبة 40% تُستخدم في تقارير الهيئة كدلالة تقريبية على حجم الادعاءات المثيرة للقلق في قطاع الأزياء، بينما لا يوجد تقرير رسمي يقرر أن “%40 من جميع منتجات الأزياء المستدامة مضللة”. ولأغراض البحث الأكاديمي، من الأفضل استخدام عبارة “نحو %40 من الادعاءات البيئية في قطاع الأزياء أثارت مخاوف تتعلق باحتمال التضليل” حفاظًا على الدقة العلمية.)

• أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD، 2023) إلى أن الأصول المدارة في صناديق الاستثمار المستدامة شهدت نمواً متسارعاً خلال العقد الأخير، حيث ارتفعت بأكثر من 600%، إلا أن هذا التوسع لم يواكبه دائماً توافق حقيقي مع الأهداف المناخية. وتبين المنظمة أن نسبة محدودة فقط من استثمارات الصناديق تتجه فعلياً إلى الشركات التي تقدم حلولاً منخفضة الكربون، في حين لا تزال بعض الصناديق المصنفة على أنها “مستدامة” تحتفظ باستثمارات في شركات ذات ارتباط بالوقود الأحفوري أو بقطاعات عالية الانبعاثات، نتيجة اختلاف معايير التصنيف وضعف توحيد معايير الإفصاح البيئي. وترى المنظمة أن هذا التباين يخلق بيئة خصبة لممارسات الغسيل الأخضر (Greenwashing)، ويؤكد الحاجة إلى أطر تنظيمية أكثر صرامة لضمان مصداقية المنتجات المالية الخضراء وتعزيز ثقة المستثمرين في معايير التمويل المستدام.

تشير هذه المؤشرات الصادرة عن الهيئات الدولية إلى أن الغسيل الأخضر لم يعد مجرد ممارسات تسويقية معزولة، بل أصبح ظاهرة هيكلية تمس مختلف القطاعات الاقتصادية، من السلع الاستهلاكية إلى صناعة الأزياء والقطاع المالي. وتكشف نتائج المفوضية الأوروبية أن نسبة كبيرة من الادعاءات البيئية تفتقر إلى الأدلة العلمية، مما يحد من قدرة المستهلك على اتخاذ قرارات واعية ومبنية على معلومات موثوقة. كما تؤكد تحقيقات هيئة المنافسة والأسواق البريطانية أن استخدام العبارات الفضفاضة والرموز البيئية أصبح أداة تسويقية للتأثير في الإدراك أكثر من كونه تعبيراً عن أداء بيئي حقيقي.

وفي القطاع المالي، توضح تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن اتساع سوق الاستثمار المستدام لا يضمن بالضرورة توافق الاستثمارات مع أهداف التحول المناخي، بسبب تفاوت معايير التصنيف وضعف الإفصاح والرقابة. وتبرز هذه المعطيات وجود فجوة واضحة بين الخطاب البيئي الذي تتبناه المؤسسات والممارسات الفعلية على أرض الواقع، الأمر الذي يضعف ثقة المستهلكين والمستثمرين في الادعاءات البيئية. كما تؤكد أن مكافحة الغسيل الأخضر لم تعد مسؤولية المستهلك وحده، بل تتطلب تعزيز الأطر القانونية، وتوحيد معايير الإفصاح، وإخضاع الادعاءات البيئية لعمليات تحقق علمية مستقلة. ومن ثم، فإن هذه الإحصاءات تشكل دليلاً على أن التصدي للغسيل الأخضر يمثل شرطاً أساسياً لضمان نزاهة الأسواق، وحماية المستهلك، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة والحياد الكربوني.

11-2 جدول مقارن لأبرز قضايا الغسيل الأخضر العالمية والجزاءات المرتبطة بها
الإجراء التنظيمي/العقوبة طبيعة ادعاء الغسيل الأخضر القطاع اسم الشركة
غرامات دولية تجكاوزت 30 مليار دولار، وإلزام بتغيير استراتيجية التصنيع. الترويج لسيارات “الديزل النظيف” منخفضة الانبعاثات. السيارات Volkswagen
تحقيقات وسلسلة دعاوى قضائية في نيويورك وأوروبا، وإجبارها على إزالة المؤشرات غير الدقيقة. إطلاق تشكيلة ” Conscious ” بادعاء أنها مصنوعة من مواد مستدامة بنسب عالية. الأزياء السريعة CMA
حظر الإعلانات من قِبل هيئة معايير الإعلان البريطانية لعدم التناسب مع الواقع العملي. حملة إعلانية تروج للاستثمار الكثيف في الطاقة المتجددة وصافي الانبعاثات الصفري. الطاقة (النفط والغاز) Shell
دعاوى قضائية من منظمات بيئية في أوروبا بتهمة التضليل الممنهج للمستهلك المعاصر. الترويج لزجاجات مصنوعة من “بلاستيك المعاد تدويره ” المشروبات والأغذية Coca-Cola

4- الدراسة العربية
تتخذ ظاهرة الغسيل الأخضر في العالم العربي أبعاداً سياقية مختلفة؛ إذ تتداخل فيها الطفرة العقارية والصناعية الكبرى مع غياب آليات الرقابة المتخصصة في الاستدامة.

12-1 واقع وأساليب الغسيل الأخضر في المنطقة العربية
تستغل العديد من الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضعف الوعي البيئي العلمي التخصصي لدى فئات واسعة من المستهلكين، موازاة مع غياب جمعيات حماية مستهلك قوية تمتلك مختبرات فحص بيئي (PwC Consumer Survey).
• القطاع العقاري والمدن الذكية: ترويج مجمعات سكنية تحت شعار “مدن مستدامة %100” أو “مجمعات إيكولوجية”، في حين يقتصر الالتزام البيئي على وجود مساحات عشبية (تستهلك مياهاً جوفية هائلة في مناطق تعاني من الإجهاد المائي الشديد) دون معالجة مياه الصرف الصحي أو استخدام حقيقي ومكثف للطاقة الشمسية في البناء والتشغيل.

• قطاع البنوك والتمويل: إطلاق “صكوك خضراء” و”قروض مستدامة” لتمويل مشاريع، يتضح عند فحصها المعمق أنها مشاريع إنشائية تقليدية تفتقر لمعايير المباني الخضراء العالمية (LEED) أو اشتراطات (UN\,Global\,Compact).

12-2 أمثلة حقيقية في السياق العربي
• شركات الطيران الإقليمية: ترويج برامج “الحياد الكربوني للرحلات” عبر دفع مبالغ زهيدة لشراء أرصدة كربون (Carbon Offsets)، مثل زراعة أشجار في مناطق أخرى. التحليل الأكاديمي يثبت أن مشاريع زراعة الأشجار هذه غير خاضعة لرقابة صارمة وكثيراً ما تفشل، بينما تظل الانبعاثات الكثيفة للطائرات في الغلاف الجوي قائمة، مما يمثل عملية واضحة لغسيل الوعي وإشعار المسافر بـ “راحة ضمير زائفة”.

• شركات المياه المعدنية: تعبئة المياه في قوارير بلاستيكية تقليدية مع وضع صور لجبال ثلجية وشعارات “نقية من الطبيعة” و”عبوة صديقة للبيئة بنسبة %100″ لمجرد تقليل وزن البلاستيك بالعبوة بـ 1 غرام، في حين تظل العبوة ملوثة وغير قابلة للتحلل الحيوي وتساهم في تدمير النظم البيئية المحلية.

5- الدراسة المغربية: الإطار القانوني والتحليل التطبيقي
انخرطت المملكة المغربية بقوة في الاستراتيجيات البيئية الدولية، ونظمت مؤتمر المناخ “COP22″، وتبنت استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة تهدف للوصول إلى أكثر من %52 من القدرة الإنتاجية للكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030. هذا التوجه الوطني البارز دفع الشركات العاملة في المغرب إلى محاولة التماهي مع “الهوية الخضراء” للمملكة، مما فتح الباب أمام ممارسات الغسيل الأخضر.

13-1 مظاهر وتطبيقات الغسيل الأخضر في السوق المغربي
ينتشر في الأسواق المغربية الاستخدام المكثف والعشوائي للمصطلحات التالية باللغتين العربية والفرنسية دون وجود شهادات اعتماد رسمية أو سند علمي معلن:

• “طبيعي %100” (100% Naturel): تظهر على منتجات مواد التجميل (مثل زيوت العناية، الصابون الشامبو) ومنتجات غذائية (المربى، العصائر). تكمن المغالطة في أن المنتج يحتوي على مواد حافظة كيميائية وملونات ومواد اصطناعية، ويتم إبراز مكون واحد (كأركان أو زيت الزيتون) لغسل وعي المستهلك المغربي الذي ينجذب فطرياً لكل ما هو بلدي وطبيعي.

• “عضوي” (Bio) أو”إيكولوجي” (Écologique): استخدام اللاحقة “Bio” على منتجات فلاحية أو مصنعة محلياً دون الحصول على الملاءمة والترخيص الرسمي المنصوص عليه قانوناً، مما يشكل خرقاً لقواعد التنافسية الشريفة وتضليلاً للمستهلك الذي يدفع هامش سعر مرتفع (Premium Price) مقابل وهم الاستدامة.

• “أخضر” (Vert) و”صديق للبيئة” (Ami de l’environnement): استخدام هذه العبارات في قطاعات المنظفات، الطلاء، ومواد البناء لإعطاء انطباع بالسلامة الصحية والبيئية، دون تقديم ورقة المعطيات السلاماتية (MSDS) أو الخضوع لمعايير التدقيق البيئي.

13-2 تحليل الإطار القانوني المغربي لحماية المستهلك والإشهار
لم يفرد المشرع المغربي حتى عام 2026 نصاً قانونياً خاصاً ومستقلاً يُعنى بـ “الغسيل الأخضر” أو “الادعاءات البيئية الفضفاضة”، ولكن يتم تكييف هذه الممارسات بناءً على القواعد العامة المتضمنة في القوانين التالية:

أ. القانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك
يعتبر هذا القانون المرجعية الأساسية لمواجهة التضليل. فالمادة 21 منه تحظر بشكل صريح كل إشهار يتضمن ادعاءً أو ترويجاً أو عرضاً كاذباً أو من شأنه أن يوقع في الغلط بأي وجه من الوجوه، إذا كان يتعلق بـ “حقيقة السلع أو الخدمات أو طبيعتها أو تركيبتها أو خصائصها الجوهرية”.

التحليل النقدي: يعتبر الغسيل الأخضر إشهاراً تدليسياً بناءً على المادة 21، لأن ادعاء “المنفعة البيئية” هو خاصية جوهرية للمنتج وجهت قصد المستهلك. ومع ذلك، يعاب على هذا النص عدم تخصيصه لآليات فحص “الادعاءات البيئية”، مما يترك عبء الإثبات العلمي الصعب على المستهلك أو جمعيات حماية المستهلك المحدودة الإمكانيات.

ب. القانون رقم 83.13 المتعلق بالاتصال السمعي البصري
يلزم الإطار القانوني المنظم للإشهار بالمغرب المتعهدين ووسائل الاتصال السمعي البصري باحترام مبادئ الصدق والشفافية والنزاهة في الرسائل الإعلانية، وضمان ألا تتضمن الإعلانات أي مشاهد أو عبارات أو ادعاءات من شأنها تضليل الجمهور أو التأثير في اختياراته الاستهلاكية بوسائل غير مشروعة، أو الإضرار بمصالحه الاقتصادية والصحية والبيئية. ويشمل ذلك منع تقديم معلومات غير دقيقة أو مبالغ فيها حول خصائص المنتجات أو فوائدها أو آثارها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالادعاءات البيئية التي قد تدفع المستهلك إلى الاعتقاد بأن المنتج صديق للبيئة أو مستدام دون وجود أدلة علمية أو شهادات معتمدة تثبت ذلك.

وفي هذا السياق، تضطلع الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (HACA) بدور رقابي أساسي من خلال تتبع مدى التزام متعهدي الاتصال السمعي البصري بالقوانين ودفاتر التحملات، ورصد المخالفات المتعلقة بالمضامين الإعلانية، والتأكد من احترام مبادئ حماية المستهلك وحقه في الحصول على معلومات صحيحة وواضحة. كما تمتلك الهيئة صلاحية توجيه الملاحظات والإنذارات واتخاذ التدابير القانونية والتنظيمية المناسبة في مواجهة الإعلانات المخالفة، بما يعزز الثقة في المنظومة الإعلامية ويحد من الممارسات التضليلية، بما فيها الغسيل الأخضر، ويكرس مبادئ المنافسة الشريفة وحماية حقوق المستهلك.

ج. القانون رقم 39.12 المتعلق بالإنتاج العضوي للمنتجات الفلاحية والمائية
يشكل القانون المغربي المنظم للإنتاج البيولوجي ووضع علامات “عضوي” (Bio) أو “بيولوجي” (Biologique) إطاراً قانونياً صارماً يهدف إلى حماية المستهلك من الممارسات التجارية المضللة، وضمان مصداقية المنتجات التي تُسوَّق باعتبارها منتجات بيولوجية. ويقضي هذا الإطار بعدم جواز استعمال هذه التسميات أو أي شعارات أو رموز توحي بأن المنتج عضوي إلا إذا كان مستوفياً لجميع الشروط التقنية والقانونية المتعلقة بالإنتاج والتصنيع والتخزين والتوزيع، وخاضعاً لنظام المراقبة والتصديق من قبل هيئات معتمدة ومرخص لها من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. وتقوم هذه الهيئات بإجراء عمليات تفتيش دورية ومراقبة دقيقة لسلسلة الإنتاج بأكملها، للتأكد من احترام دفاتر التحملات والمعايير الوطنية الخاصة بالإنتاج البيولوجي.

وبموجب هذا القانون، فإن أي مؤسسة أو شركة تستخدم تسمية “Bio” أو “Biologique” أو أي إشارة مماثلة توحي للمستهلك بالطابع العضوي للمنتج دون الحصول على شهادة مطابقة سارية المفعول، تُعد مرتكبة لممارسة تجارية مضللة تعرضها للعقوبات المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل، بما في ذلك سحب المنتج من السوق، وإزالة البيانات المخالفة، وتوقيع الجزاءات الإدارية أو المالية بحسب طبيعة المخالفة. ويكتسي هذا التنظيم أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على حماية المنافسة المشروعة، بل يهدف أيضاً إلى حماية حق المستهلك في الحصول على معلومات صحيحة وموثوقة تمكنه من اتخاذ قرارات استهلاكية واعية. ولذلك يُعد هذا النص من أكثر الآليات القانونية دقة وصرامة في مواجهة الغسيل الأخضر في المجال الغذائي، إذ يمنع استغلال المصطلحات البيئية والعضوية كوسيلة للتأثير في المستهلك دون سند علمي أو قانوني، ويعزز الثقة في منظومة المنتجات البيولوجية داخل السوق المغربية.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الطيور المهاجرة بالمغرب: التنوع، المسارات، دور المناطق الرطبة وتحديات الحماية في سياق التغيرات البيئية

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)، خبير بيئي، رئس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل …

اترك تعليقاً