شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام حاضري مستشار التطوير استراتيجي واستشراف المستقبل 23 سبتمبر 2026
الحياةُ مدرسةٌ كبرى وطالما نحن منخرطون فيها فإننا في رحلةٍ مستمرةٍ نتعلّمُ في كلِّ محطةٍ من محطاتها، ولعلّ من أكثر الأمور التي نتعلمها متأخرين؛ أنّ الإنسانَ ليس دائماً كما يُقدمُ نفسهُ للآخرين. هناك فرقٌ بين الصورة التي نحبُ أن نصدرها للآخرين، وبين حقيقتنا التي تظهرُ في المواقف اليومية، وخصوصاً عندما نواجهُ خلافاً أو موقفاً لا نحصلُ فيه على ما نريد.
قد يقولُ شخصٌ إنهُ يقدّرُ العملَ الجماعي، لكنهُ يفشلُ في أول اختبارٍ حقيقيٍ ويكشفُ أنهُ لا يرى في الفريق إلا وسيلةً لتحقيق أهدافه. وقد يتحدثُ آخرُ كثيراً عن الثقة والوفاء، ثمّ تظهرُ الصدمةُ بأفعالهِ التي تناقضُ كلماته. وقد يبدو شخصٌ ما ودوداً ومتواضعاً، لكنّ تجربةَ التعامل معه تكشفُ شيئاً مختلفاً تماماً.
لهذا بات من المفيد التوقفُ قليلاً عن سؤال الناس: «من أنت؟»، وأن نبدأ بالنظر إلى سؤالٍ آخر أكثر عمقاً: «ماذا تفعل عندما تكون أمام موقفٍ حقيقي؟».
الفكرةُ تبدو بسيطة، لكنها في العلاقات الإنسانية شديدةُ الأهمية. فالإنسانُ يستطيعُ أن يتحكمَ إلى حدٍ كبيرٍ في كلامه، لكنهُ لا يستطيعُ أن يتحكمَ بالسهولةِ نفسها في سلوكهِ عبرَ الزمن. ومع تكرار المواقف تبدأُ الشخصيةُ الحقيقيةُ في الظهور، ليس بالضرورة بصورةٍ مفاجئةٍ، وإنما من خلال تفاصيل صغيرةٍ قد لا ننتبهُ إليها في البداية. ولذلك فإنّ الحكمَ على الناس من خلال أفعالهم أهمُ من الاكتفاء بما يقولونهُ. فمثلاً إذا وعدَ شخصٌ بشيءٍ ثمّ التزمَ بهِ مرةً بعد أخرى، فإنّ سلوكهُ يدعمُ كلامهُ. أما إذا تكررَ الوعدُ مع عدم الالتزام، فهنا تصبحُ الأفعالُ أكثرَ وضوحاً من أي تبرير.
المشكلةُ أننا في كثيرٍ من الأحيان نميلُ إلى تصديق الانطباع الأول. الشخصُ اللبقُ يبدو جيداً، وصاحبُ الحضور القوي يبدو واثقاً، والشخصُ الكريمُ يتركُ أثراً إيجابياً، ومن يجيدُ الحديثَ عن نفسه يستطيعُ أحياناً أن يرسمَ صورةً جذابةً في وقتٍ قصير. لكنّ العلاقاتِ الطويلة لا تُبنى على الانطباعات الأولى، وإنما على ما يكشفهُ التعامل المستمر.
قد نكتشفُ مثلاً أنّ الشخصَ الذي يبدو شديدَ الكرم يستخدمُ أدواتهِ بطريقةٍ تجعلهُ أكثرَ تأثيراً في الآخرين، والشخصُ الذي يبدو متواضعاً لا يتقبلُ النقدَ عندما يتعلقُ الأمرُ به، والشخصُ الذي يتخذُ المساواة شعاراً لا يتعاملُ بالطريقةِ نفسها مع الجميع عندما تتعارضُ المصالح. إذاً فالمسألةُ ليست مرتبطةً بما يبدو على السطح، بل بما يحدثُ خلفهُ. وهذا لا يعني أن نعيشَ في حالةٍ من الشك تجاهَ كل الأشخاص فالحياةُ لا يمكن أن تُبنى على سوء الظن. لكن هناك فرقاً بين حسنِ الظن والثقة وبين السذاجة والتخلي عن قدرة الملاحظة. فالانفتاحُ على الآخرين لايلغي التركيز على المواقفِ وتحليل النمط. فقد يغضبُ الإنسانُ، وقد يخطئ في اتخاذ قرار، وقد يتأخرُ مرةً على موعد. لكن عندما يتكررُ السلوكُ نفسهُ في ظروفٍ مختلفةٍ، يصبحُ من الصعب اعتباره مجرد صدفة.
إنّ تحليلَ المواقف مرتبطٌ بالضرورة بطريقة التعامل مع المواقف المتكررة. فالشخصُ الذي يتهربُ من المسؤولية، والذي يُلقي اللومَ دائماً على الآخرين، والذي يحولُ كل خلافٍ إلى معركةٍ شخصيةٍ، لا يمكنُ فهمهُ من موقفٍ واحدٍ فقط. كما أنّ طريقة تعامل الإنسان مع الغضب قد تكونُ أحياناً نتيجةَ تراكماتٍ، أو ضغوطٍ، أو حساسيةٍ قديمةٍ، أو مشكلاتٍ لا علاقة مباشرة لها بالموقف الذي حدثَ أمامنا.
وتظهرُ حقيقةُ الإنسان بصورةٍ أوضح عندما تصبحُ الأمورُ أكثرَ صعوبةٍ لأنّ الضغوطَ تكشفُ أشياء مختلفة وخاصةً عندما يتحملُ الإنسانُ مسؤوليةً كبيرةً، أو يتعرضُ للفشل، أو يسمعُ نقداً لا يعجبه، أو يواجهُ خلافاً حقيقياً، فتظهر طريقة تعامله مع نفسهِ ومع الآخرين. وهنا تظهرُ الإجاباتُ للأسئلة الأكثر أهمية من السيرة الذاتية أو وصف الإنسان لنفسهِ.
وفي بيئة العمل، على سبيل المثال، قد يكون من الأفضل أحياناً أن تتحدثََ النتائج عن صاحبها بدلاً من أن يتحدثَ هو عنها طوال الوقت. فالناسُ لا يستقبلون دائماً استعراض النجاح بالطريقة نفسها.
وفي النهاية، ربما تكونُ المسألةُ كلها مرتبطةً بسؤالٍ واحدٍ: هل نعرفُ فعلاً الأشخاص الذين نتعاملُ معهم؟
ليس المقصود أن نضعَ الناس في قوالب ثابتة أو أن نصدرَ أحكاماً نهائية عليهم، وإنما التعرفُ بدقةٍ كيف يتصرفُ الشخصُ عندما يملكُ سلطةً، وكيف يتصرفُ عندما يخسر، وكيف يتعاملُ مع النقد، وكيف يستخدمُ نفوذهُ، وكيف يعاملُ من لا يحتاج إليهم، وكيف يتصرفُ عندما تتعارضُ مصلحتهُ مع مصلحة الآخرين.
إنّ فهمَ الناس ليس لعبةً للسيطرة عليهم، بل وسيلةً لحماية أنفسنا من القراراتِ المتسرعة. وفي العلاقات الإنسانية، كلما تعلمنا قراءةَ ما وراء الكلام، والانتباهَ إلى الأفعال، وفهمَ دوافع السلوك دون تسرعٍ، أصبحنا أكثرَ قدرةٍ على بناءِ علاقاتٍ واعية، واتخاذِ قراراتٍ أكثر اتزاناً، والتعامل مع الآخرين بقدرٍ أكبر من الفهم وأقل قدرٍ من الوهم.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز