شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام حاضري مستشار التطوير الاستراتيجي واستشراف المستقبل، 13 أكتوبر 2026
قد نكتشفُ في كثيرٍ من الأحيان خلالَ نقاشنا مع الآخرين بأننا ورغمَ امتلاكنا لأقوى الحجج والبراهين، ورغمَ اعتمادنا على أكثر الأدلة إقناعاً، ورغمَ اختيارنا للكلمات بعناية؛ أنّ الطرفَ الثاني ما زال متمسكاً برأيهِ، وربما بشكلٍ أكثر مما كان عليهِ قبل أن نبدأَ الحديث. الأمر الذي يضعنا أمام سؤالٍ محوري: لماذا نفشلُ أحياناً في إقناع الآخرين، حتى عندما نكونُ على حق؟
ربما تكمنُ المشكلةُ غالباً في طريقةِ استقبال الآخرين لما نقولهُ بغض النظر عن مدى قوتهِ. فنحنُ لا نستمعُ إلى الأفكار بعقولٍ منفصلةٍ عن مشاعرنا وتجاربنا. وقد يبدو اختلافُ الرأي بالنسبة إلى بعض الناس وكأنهُ تشكيكٌ في خبرتهم، أو انتقاصٌ من مكانتهم، أو محاولةٌ لفرض الوصاية عليهم. عندها، لا يعودُ النقاشُ بحثاً عن الحقيقةِ بقدر ما يتحوّلُ إلى معركةٍ صامتةٍ للدفاع عن الذات، ويصبحُ الانتصارُ للرأي أهمُّ من فهم الفكرة.
إنّ المفتاحَ الذهبي للإقناع يبدأُ من فهم الإنسان الذي نُريدُ الوصولَ إليه بدل التركيز على إعداد الحجة الأقوى. وهو ما يُفسرُ لماذا تنجحُ كلمةٌ هادئةٌ أحياناً في تغيير موقفٍ ظلَّ مغلقاً أمام عشرات الحجج.
ولعل أكثرَ الأخطاءِ شيوعاً دخولنا للحوار ونحنُ نفكرُ فيما سنقولهُ، لا فيما نحتاجُ إلى فهمهِ. ننشغلُ بصياغةِ الردود، ونترقبُ اللحظةَ التي نستطيعُ فيها إثبات وجهة نظرنا، بينما تمرُّ أمامنا إشاراتٌ كثيرةٌ تكشفُ ما يشعرُ به الطرفُ الآخرُ وما يقلقهُ فعلاً. ولو منحناهُ وقتاً كافياً ليتحدثَ، لاكتشفنا أنّ الطريقَ إلى إقناعه لا يبدأُ بالرد على كلماتهِ، بل بفهم ما وراءها. وهنا يأتي دورُ الإنصات والذي يعكسُ احتراماً حقيقياً. فالإنسانُ حين يشعرُ بأنه مسموعٌ، يتراجعُ جزءٌ من حاجتهِ إلى الدفاع عن نفسهِ، ويصبحُ أكثر استعداداً للنظر في أفكارٍ لم يكن ليقبلَ مناقشتها في أجواءٍ مشحونةٍ. أما حين نقاطعهُ أو نقللُ من شأن تجربتهِ، أو نسارعُ إلى تصحيح كل كلمةٍ يقولها، فإننا ندفعهُ، من حيثُ لا نشعرُ، إلى إغلاق الباب في وجهنا.
بيدَ أنّ الإقناعَ لا يعني موافقةَ الآخرين على كل أقوالهم، أو التخلي عن قناعاتنا لكسب الرضا والتأييد. فالفارقُ كبيرٌ بين احترام الشخص والتسليم برأيهِ، وبين تفهم مشاعرهِ والتنازل عن الحقيقة. وانتقادُ الفكرة لا يستلزمُ التقليل من صاحبها، والاعترافُ بوجهة نظرٍ صحيحةٍ لا ينتقصُ من مكانتنا، بل يكشفُ عن ثقةٍ تسمحُ لنا بمراجعة أنفسنا.
ومن أكثر ما يضعفُ قدرتنا على التأثير اعتقادنا أنّ الناسَ سيتغيرون بمجرد أن نشرحَ لهم خطأهم. والحقيقةُ أنّ الإنسانَ لا يتعاملُ مع أفكاره بوصفها معلومات قابلة للاستبدال فحسب؛ فقد ترتبطُ هذه الأفكار بسنواتٍ من التجربة، أو بصورةٍ يريدُ أن يُصدّرها للآخرين. لذلك، فإنّ دفعهُ إلى الاعتراف بخطئهِ أمام الملأ قد يجعلهُ يقاومُ أكثر، حتى لو أدركَ في داخلهِ أنّ حجتهُ لم تعد متماسكة. أما منحهُ مساحة آمنة لإعادة التفكير، من دون إحراجٍ أو استعراضٍ للانتصار، فقد يساعدهُ على تغيير موقفهِ من تلقاء نفسه.
وتزدادُ أهميةُ هذه الحقيقة في بيئة العمل، حيثُ لا تُقاسُ القيادةُ بمجردِ إصدار التوجيهات أو امتلاك الصلاحيات. فالمسؤولُ الذي يعتمدُ على منصبهِ لفرض رأيهِ قد يحصلُ على الامتثال، لكنهُ لا يضمنُ الاقتناع، والفارقُ بينهما يظهرُ بوضوح عندما يغيبُ عن المكان. أما القائدُ القادر على فهم فريقهِ، وتقدير خبراته، وشرح أسباب قراراته، فيبني علاقةً تجعلُ الناسَ أكثرَ استعداداً للمشاركة وتحمل المسؤولية. فالتأثيرُ المستدامُ لا يقومُ على جعل الآخرين ينفذون ما نريدُ فحسب، بل على مساعدتهم على فهم القيمة التي تقفُ وراءَ ما يُطلب منهم. إضافةً إلى استخدام العناصر المناسبة التي تشاركُ في تشكيل الرسالة: من نبرةِ الصوت، وتوقيتِ عرض الحديث، وطريقةِ عرض الفكرة. والتي قد تفتحُ مساحةً للحوار وتُؤسسُ لمحطاتٍ للتوافق.
وربما كان أصعبُ اختبارات الإقناع هو التعاملُ مع الشخص المستفز أو شديد المعارضة. ففي هذه اللحظات، يسهلُ أن ننجرَّ إلى ردود فعلٍ متسرعةٍ، وأن نعاملَ كلّ اعتراضٍ بوصفهِ تحدياً لكرامتنا. لكنّ الانفعال يُؤججُ الخلافَ، ويحوّلُ القضية الأساسية إلى صراعٍ شخصي. أما التمهلُ والابتعادُ عن إطلاق الأحكام، والتمييزُ بين ما يستحقُ النقاش وما لا يستحقُ استنزافَ الطاقة. قد يمنحنا قدرةً أكبر على إدارة الموقف والسيطرة على ردود أفعالنا.
ومفادُ القول: إنّ أقصرَ الطرق إلى عقول الآخرين قد لا يكونُ دائماً في كثرةِ الأدلة، بل في القدرةِ على بناء مساحةٍ للإصغاء والتفكير من دون خوف. فالإقناعُ يبدأُ عندما نُدركُ أن أمامنا إنساناً له دوافعهُ ومخاوفهُ واعتزازهُ بذاته. وحين نُحسنُ فهمَ هذا الإنسان، تُصبحُ كلماتنا أكثرَ قدرةً على الوصول، وتُصبحُ فرصتنا في التأثير أعمقَ من مجرد الانتصار في نقاشٍ عابر.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز