جامعة السوربون أبوظبي ترصد 83 مجموعة تصنيفية من الفقاريات في النظم البيئية الساحلية لأبوظبي

البحث الرائد يأتي بالتعاون مع هيئة البيئة – أبوظبي والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في فرنسا ويكشف عن أنماط متباينة للتنوع البيولوجي في بيئات أشجار القرم والأعشاب البحرية والمناطق الساحلية المُطوَّرة بما يوفر أساساً مرجعياً للرصد البحري طويل الأمد

شبكة بيئة أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة؛ 12 أكتوبر 2026
كشفت دراسة جديدة أعدتها جامعة السوربون أبوظبي، بالتعاون مع هيئة البيئة – أبوظبي، الجهة المعنية بتنظيم القطاع البيئي في الإمارة، والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، عن أنماط مميزة للتنوع البيولوجي، ولا سيما في بيئات أشجار القرم، وبدرجة أقل في موائل الأعشاب البحرية، ضمن أحد أكثر السواحل الحضرية تطوراً في العالم.

وتُمثل الدراسة، التي نُشرت في المجلة العلمية المرموقة PLoS ONE، أول مسح بيئي للفقاريات البحرية في أبوظبي باستخدام تقنية الحمض النووي البيئي. وتمكن الباحثون من رصد 83 مجموعة تصنيفية للفقاريات ضمن أربعة مواقع ساحلية حضرية، شملت 75 نوعاً من الأسماك العظمية، ونوعين من أسماك القرش والشفنينيات، ونوعاً واحداً من الثدييات البحرية، وخمسة أنواع من الطيور؛ وقد أمكن تحديد 22 منها بدقة على مستوى النوع.

ويُعد الخليج العربي من أكثر البيئات البحرية تحدياً على وجه الأرض، نظراً إلى مياهه الضحلة وشبه المغلقة التي تتجاوز درجة حرارتها 35 درجة مئوية صيفاً، إلى جانب مستويات ملوحته التي تفوق ملوحة المحيطات المفتوحة بكثير. وعلى الرغم من هذه الظروف القاسية، يحتضن الخليج موائل بالغة الأهمية بيئياً، إضافة إلى كائنات بحرية تكيفت مع مستويات الحرارة والملوحة الاستثنائية. ويتطلب فهم تأثير التغيرات البيئية المستمرة في الحياة البحرية دراسة هذه النظم البيئية القاسية، حيث تعيش الكائنات بالفعل عند حدود قدرتها على التحمل. ويمثل الخليج العربي، بدرجات حرارته الاستثنائية وملوحته العالية والضغوط البشرية المكثفة، مختبراً طبيعياً يوضح ما قد تواجهه العديد من البحار الأخرى مستقبلاً. ولهذا السبب تحديداً، يُعد الرصد البيئي الدقيق والمستمر أولوية علمية ومسؤولية بالغة الأهمية.

وشملت الدراسة تقييم أربع بيئات ساحلية متباينة في ديسمبر 2024، وهي متنزه القرم الوطني، وبيئة الأعشاب البحرية بالقرب من جزيرة الفطيسي، ومرسى البطين، وقناة الحديريات. وأظهرت موائل أشجار القرم والأعشاب البحرية مستويات أعلى من التنوع التطوري (الفيلوجيني)، وهو مقياس لا يقتصر على إحصاء عدد الأنواع الموجودة، بل يقيس أيضاً مدى تمايزها التطوري عن بعضها بعضاً. ويشير ذلك إلى أن هذه الموائل تدعم سلالات سمكية أكثر تنوعاً مقارنة بالمواقع المُطوَّرة حديثاً، بما يقدم مؤشراً أولياً إلى دورها البيئي المحتمل ضمن بيئة أبوظبي الساحلية التي تشهد تطوراً عمرانياً كبيراً. وفي المقابل، سجلت قناة الحديريات المُطوَّرة حديثاً انخفاضاً في التنوع التطوري، ما يشير إلى أن مجتمعها البحري لا يزال في طور التشكّل، في حين جاءت نتائج مرسى البطين في مرتبة وسطى بين موائل أشجار القرم والموقع الحديث.

وتأتي هذه النتائج في إطار بحث الدكتوراه الذي تجريه الباحثة راشيل هارلي في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في فرنسا، تحت إشراف الدكتور جان لوك جونغ، الأستاذ في المتحف والباحث الزائر في معهد المحيطات بجامعة السوربون أبوظبي، والذي أسهمت أبحاثه بصورة كبيرة في تطوير أساليب تحليل واستغلال قوائم الجرد البيولوجي القائمة على الحمض النووي البيئي لقياس التنوع البيولوجي.

ومثلما تكشف بصمة الإصبع هوية صاحبها، تتيح تقنية الحمض النووي البيئي للباحثين التعرف على الكائنات الحية من خلال آثار الحمض النووي التي تطلقها طبيعياً في محيطها، عبر خلايا الجلد أو المخاط أو الحراشف أو الفضلات. ومن خلال تصفية المياه في ظروف خاضعة للرقابة واستخدام تقنيات التسلسل الجيني عالي الإنتاجية لتحليل هذه الآثار، يستطيع الباحثون تكوين صورة شاملة عن التنوع البيولوجي المحلي، من دون الحاجة إلى صيد الكائنات أو إزعاجها أو حتى رؤيتها.

وتتميز هذه التقنية بثلاث خصائص رئيسية؛ فهي آمنة ولا تتطلب تدخلاً مباشراً في البيئة، وتكاملية، وتتطلب جهداً أقل نسبياً في البحر. وباستخدام بروتوكول علمي واحد، يمكن للباحثين تحليل عينة مائية لرصد الأسماك وأسماك القرش والدلافين والطيور في آنٍ واحد، مع التأكيد على أن الالتزام ببروتوكولات صارمة لأخذ العينات أمر بالغ الأهمية لضمان جودة البيانات.

وقال الدكتور جان لوك جونغ، الأستاذ في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي والباحث الزائر في معهد المحيطات بجامعة السوربون أبوظبي: “تدعونا هذه النتائج إلى التحلي بالحذر واليقظة. ولا يمكن استنتاج أن أشجار القرم والأعشاب البحرية في أبوظبي تمثل مناطق ازدهار مطلق للتنوع البيولوجي استناداً إلى هذه الدراسة وحدها، إذ لا يتوفر لدينا نظام بيئي بكر يمكن استخدامه مرجعاً للمقارنة. ولكن يمكن تأكيد أن هذه الموائل، رغم إحاطتها بمدينة حضرية سريعة التطور، لا تزال قادرة على دعم مجتمع سمكي متكامل ومتنوع. وهذه إشارة لا ينبغي تجاهلها؛ فهذه البيئات تؤدي دوراً حاسماً، ونواجه خطر فقدانها قبل أن نفهم أبعاد هذا الدور بالكامل.”

وقد جمع هذا البحث بين الخبرات العلمية لجامعة السوربون أبوظبي، وخبرة المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في تقنيات الحمض النووي البيئي والتصنيف الجزيئي، والمعرفة العميقة التي تمتلكها هيئة البيئة – أبوظبي بالنظم البيئية البحرية في الإمارة. وتولت الهيئة تحديد مواقع أخذ العينات، ووفرت قارباً صغيراً تابعاً للهيئة وطاقمه، وقدمت الدعم الميداني والتصاريح اللازمة، إلى جانب مشاركة أربعة من علمائها كباحثين مشاركين في الدراسة.

ومن جهتها، قالت ميثاء محمد الهاملي، المدير التنفيذي بالإنابة لقطاع التنوع البيولوجي البري والبحري في هيئة البيئة – أبوظبي: “تعزز هذه الدراسة فهمنا للتنوع البيولوجي ضمن النظم البيئية الساحلية في الإمارة، وتبرز أهمية تقنية الحمض النووي البيئي كأداة فعالة للرصد البحري. وبدعم من القوارب البحثية وبرامج الرصد طويلة الأمد التابعة للهيئة، يجمع هذا البحث بين العلوم المتقدمة والخبرات المحلية لرصد التغيرات البيئية وتوجيه القرارات المتعلقة بحماية البيئة وإدارتها.”

يُذكر أن هذه الدراسة تمثل الحملة الأولى ضمن برنامج مارفل، وهو مبادرة متعددة السنوات للرصد طويل الأمد للفقاريات البحرية باستخدام الحمض النووي البيئي في دولة الإمارات، يقودها معهد المحيطات بجامعة السوربون أبوظبي بالشراكة مع المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي وهيئة البيئة – أبوظبي. وقد استُكملت حملتان إضافيتان في شهريّ أغسطس وديسمبر 2025، مع خطط لإجراء مقارنات تشمل نظماً بيئية ساحلية أخرى في الدولة، بهدف بناء صورة أشمل عن تنوع الفقاريات البحرية وتغيراته بمرور الوقت. وتُتاح جميع بيانات التنوع البيولوجي الناتجة عن هذا البحث مجاناً عبر المرفق العالمي لمعلومات التنوع البيولوجي، بموجب ترخيص مفتوح.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الطحالب والحشائش البحرية في الخليج العربي

ثروة بيئية مهددة وفرص للحفاظ على النظم الساحلية شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. محمد جمعة …

اترك تعليقاً